المادة الرابعة والثلاثون والدفاع عن الوطن.. دراسة في أبعاد الواجب الوطني والالتزام الدستوري – عوض علي أحمد الطالبي

يُمثل الوطن في الوجدان الإنساني والمفاهيم السياسية الحديثة أكثر من مجرد جغرافيا محددة بحدود مرسوم، إذ إنه الهوية، والتاريخ المشترك، والمستقبل الجامع، والملاذ الآمن الذي تنصهر في بواتقه قيم المواطنة والكرامة الإنسانية.

وتعد مسألة حماية هذا الكيان والدفاع عن مقدراته وسيادته واحدة من أقدس الواجبات التي عرفتها البشرية عبر العصور، حيث لم تخلُ حضارة أو ثقافة من إعلاء شأن التضحية في سبيل الأرض والعرض، ومع تطور الدولة الحديثة تحول هذا الواجب الأخلاقي والوجداني إلى التزام قانوني ودستوري مؤطر بنصوص واضحة ومحددة، ومن بين هذه الأطر الدستورية، تبرز المادة الرابعة والثلاثون من النظام الأساسي للحكم كركيزة أساسية تحدد العلاقة بين المواطن والدولة في أوقات السلم والحرب على حد سواء.

إن نص المادة الذي يؤكد صراحة على أن الدفاع عن العقيدة الإسلامية والمجتمع والوطن واجب على كل مواطن ويبين النظام أحكام الخدمة العسكرية، لا يمثل مجرد قاعدة قانونية جامدة، بل هو دستور حياة، ورؤية استراتيجية لبناء مجتمع متلاحم وقادر على مواجهة التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية في عالم متسارع المتغيرات.

لتفكيك الأبعاد القانونية للمادة الرابعة والثلاثين، يجب النظر إليها كجزء لا يتجزأ من البنية التشريعية العليا للدولة، إن الدساتير والأنظمة الأساسية تُصاغ لتعبر عن الثوابت الوطنية، وتأتي هذه المادة لتضع النقاط على الحروف في مسألة الأمن القومي، وعند تأمل عبارات المادة نجد أنها تمتاز بالشمولية والدقة، فالبدء بالعقيدة الإسلامية يعكس الهوية الروحية والأساس التشريعي الأخلاقي للدولة، فالدفاع عن القيم والمبادئ يسبق الدفاع عن الماديات لأن العقيدة هي المحرك الأساسي للاستقرار الداخلي والتلاحم المجتمعي، وإدخال المجتمع في صلب نص المادة يعني أن الدفاع ليس مقصوراً على المؤسسات أو الأراضي فقط بل يمتد لحماية النسيج الاجتماعي والأمن الفكري والتعايش السلمي بين أفراد الشعب، ثم يأتي الوطن وهو الكيان المادي والجغرافي والسياسي الذي يجمع العقيدة والمجتمع معاً تحت راية واحدة.

تستخدم المادة صيغة واجب على كل مواطن، وفي التكييف الفقهي والقانوني، يتحول الدفاع هنا من مسؤولية قطاع معين كالجيش أو الأجهزة الأمنية إلى واجب عيني وشامل يشترك فيه الجميع، كلٌ من موقعه وبحسب قدراته، فالنظام هنا لا يستثني أحداً، بل يضع المواطنة في كفة والمسؤولية الأمنية في الكفة المقابلة، وتختتم المادة عباراتها بالإحالة إلى النظام لبيان أحكام الخدمة العسكرية، وهذا الذيل القانوني يضمن ألا يترك الأمر للعشوائية، بل يُنظم عبر تشريعات وقوانين فرعية تحدد آليات التجنيد والتطوع والتعبئة العامة، مما يحفظ كفاءة الدولة التنظيمية ويضمن جاهزيتها اللوجستية والبشرية في كل الأوقات والمواقف.

لم يعد مفهوم الدفاع عن الوطن محصوراً في الحدود التقليدية التي تعني حمل السلاح على الجبهات ومواجهة الجيوش النظامية فقط، فقد فرضت التحولات التكنولوجية والجيوسياسية الحديثة مفهوماً جديداً يُعرف بالأمن القومي الشامل، وهو ما يجعل لتطبيق المادة الرابعة والثلاثين أوجهًا متعددة تتكامل فيما بينها، ويأتي في مقدمتها الدفاع العسكري والأمني المعني بحماية الحدود البرية والبحرية والجوية ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، حيث ينخرط المواطن في القوات المسلحة أو يتعاون مع رجال الأمن لحفظ الاستقرار، يليه الدفاع السيبراني والرقمي الذي يهدف لحماية البنية التحتية المعلوماتية وصد الهجمات الإلكترونية ومنع اختراق البيانات الوطنية، مما يتطلب من كل فرد وعياً أمنياً رقمياً يمنع نشر الشائعات ويحمي الحسابات الشخصية من الاستغلال المعادي.

يتكامل هذا المفهوم مع الدفاع الفكري والثقافي الذي يعمل على تحصين عقول الشباب ضد الأفكار المتطرفة، وتعزيز قيم الاعتدال والوسطية والولاء عبر التربية الأسرية الواعية ودور الإعلام والمؤسسات التعليمية في بناء الفكر النقدي، فضلاً عن الدفاع الاقتصادي والتنموي المتمثل في بناء اقتصاد مستدام وحماية الموارد الطبيعية ومواجهة الأزمات المعيشية وسلاسل الإمداد، وهو ما يتحقق من خلال ترشيد الاستهلاك ودعم المنتجات الوطنية والابتكار في مجالات العمل المختلفة، إن ارتباط الدفاع عن الوطن بالدفاع عن العقيدة الإسلامية في نص المادة الرابعة والثلاثين ليس ارتباطاً عابراً، بل هو توظيف للمحرك الأقوى في النفس البشرية، فالدين الإسلامي الحنيف يربط حب الأوطان بالإيمان، ويجعل من الموت في سبيل حماية الوطن والذود عن أمن المسلمين شهادة رفيعة المقام.

يمنح هذا البعد الروحي الجندي والمواطن طاقة معنوية هائلة لا يمكن أن توفرها الماديات وحدها، فعندما يدرك المواطن أن دفاعه عن وطنه هو تقرب إلى الله وأداء لفريضة دينية، يتحول العمل الأمني من مجرد وظيفة أو التزام مدني إلى رسالة سامية يُضحى من أجلها بالغالي والنفيس، ومن هنا يصبح تحصين هذا الجانب الفكري ضد الأفكار المنحرفة والجماعات الضالة جزءاً رئيساً من التزام المادة الرابعة والثلاثين، إذ إن اختراق العقول أخطر بكثير من اختراق الحدود، ولا يمكن لأي استراتيجية دفاعية أو نص دستوري أن ينجح في حماية دولة ما ما لم يكن هناك جدار صلب من التلاحم والثقة المتبادلة بين القيادة السياسية والشعب، حيث تمثل المادة العقد الاجتماعي الذي يربط الطرفين بالتزام القيادة بتهيئة السبل وتدريب القوات وتوفير العتاد وحفظ كرامة المواطن، والتزام الشعب بالسمع والطاعة والالتفاف حول الراية الوطنية ورفض محاولات إثارة الفتن أو شق الصف.

يُثبت التاريخ القريب والبعيد أن الدول التي سقطت في مستنقع الفوضى والحروب الأهلية لم تكن تفتقر إلى الأسلحة أو الجيوش، بل كانت تفتقر إلى الجبهة الداخلية المتماسكة، لذلك فإن الدفاع عن الوطن يبدأ من وعي المواطن بأن أمن واستقرار قيادته ومؤسسات دولته هو صمام الأمان لوجوده الشخصي ولعائلته ومستقبله، وإذا كانت الدبابات والطائرات تمثل القوة الصلبة للدولة، فإن التعليم والإعلام يمثلان القوة الناعمة التي لا تقل أهمية في تفعيل المادة الرابعة والثلاثين، فالمؤسسات التعليمية كالمدارس والجامعات هي المصنع الأول للمواطنة الصالحة، ويجب ألا تقتصر المناهج على تقديم العلوم البحتة، بل يجب أن تغرس قيم التضحية، وتعرف الأجيال الناشئة بحقوق الوطن وفضل الاستقرار، حيث يسهم تقديم نماذج تاريخية وقصص لبطولات شهداء الواجب في بناء جيل يعتز بهويته ومستعد لتلبية نداء الوطن في أي لحظة.