الكـلــمــــــة أمــانــــة

بسم الله الذي هدانا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا، نساق إلى مقاديرنا كما تساق الرياح إلى الأشرعة، وتساق الأشرعة إلى السفن، وتساق السفن إلى اللجج، وتساق اللجج إلى أمر قد قدر فلا يدافع به، وحكم لا يرجع عنه. سبحان من له الملك إذ أوجد، وله الأمر إذ أرشد، علم ففهم، وأنطق فألهم، وما كنا لولا فضله من العارفين، ولا من الذاكرين، ولا من المدركين لما استبطنته المعاني واستعلنته الأفواه، هو رب الكلمة إذ وضعت، ورب معناها إذ استقرت، ورب ما فوقها وما دونها، وما خفي في باطنها وما بدا في ظاهرها؛ له الحكم ابتداء وانتهاء، وله الرشد سرا وجهرا، وما نحن إلا عابرون بين لفظ ومعنى، نظهر حينا ونضمحل حينا، ونذكر إذا وافقنا الأصل، ونمحى إذا خالفناه. لا أسمي ما أكتبه قصة؛ إذ إن القصص فصول من الحكاية، والحكاية أبواب من القول، والقول أودية من الكلم، والكلم بحار لا يدرك قعرها، ولا يحاط بمدها وجزرها. إنما حكايتي هي الكلمة، لا الظاهر منها؛ إلى ما كان قبل أن يقال، لا إلى ما قيل بعد أن تفرق وتبدل؛ إلى المعنى حين كان واحدًا، قبل أن تتكاثر عليه الألسنة فتفرقه، وتتداعى عليه المقاصد فتشوهه، وإني لا أزعم ابتداء، ولكني أعود انتهاء، أعود إلى كلمة بها ابتدأ الأمر، وبها استفتح الخبر، وبها انشق الجهل عن علم، إذ قيل: «اقرأ»؛ فكان في القول أمر، وفي الأمر معنى، وفي المعنى حياة. فهل قرأت البشرية ما وراء اللفظ، أم وقفت عند حده؟ وهل وعت المقصود، أم استكثرت الحروف وضيعت الحدود؟ أقرأت لتعلم، أم قرأت لتقول إنها قرأت؟ أفهمت لتهتدي، أم حفظت لتجادل؟ سبع وعشرون عاما لا أعدها عددًا، بل أعدها حرفًا حرفًا. وما ألقى بي إلى مقام السائل، ولا ساقني إلى باب الباحث عن الأصل، إلا الكلمات؛ تلك التي قيلت ففهمت على غير وجهها، وأطلقت فتقيدت بغير معناها، وتجردت من حقيقتها حتى غدت أصواتا بلا روح، وألفاظا بلا أصل، وكلمات لا تسندها المعاني، ولا معاني تقومها الأفواه. فكيف يقال «حب» وهو كره مستتر؟ وكيف يدعى «صدق» وهو كذب خفي؟ وكيف تبدل الأسماء حتى تلبس الباطل ثوب الحق، ويستعار للحق لسان الباطل؟ أليس في ذلك قلب للمعنى، وإزاحة للأصل، وطمس للحد الفاصل بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون؟ إن الكلمة في أصلها حد ومعنى، ميزان ومبنى؛ إذا استقامت استقام بها القول، وإذا انحرفت انحرف بها الفهم. وما فساد كثير من المعاني إلا حين تنفصل الأسماء عن مسمياتها، فيجمل القبيح بلفظ حسن، ويثقل الحق باسم منفر، حتى يلتبس على الناس ما كان بينا. هذه أمانة على عاتقي؛ محاولة لرد الألفاظ إلى أصولها، وكشف ما علق بها من زيف وادعاء، وتعرية ما لبسته من معاني ليست لها، حتى غدت ترى ولا تعرف، وتقال ولا تدرك. بحثًا عن الموضع الأول؛ إلى اللحظة التي ولدت فيها الكلمة صادقة لا تجامل، صافية لا توارب، قبل أن تساومها الأهواء، وتحرفها المقاصد، وتستعيرها النفوس لتقول بها ما لا تعنيه، فالكلمة أمانة، والأمانة إن ضاعت ضاع معها المعنى، وإذا ضاع المعنى ضاع الطريق، وإذا ضاع الطريق لم يبقى للإنسان إلا لفظ يردّده، لا يهديه ولا يهتدي به، وصوت يسمعه، لا يبقى صداه. ولله الأمر من قبل ومن بعد؛ فاهدِنا صراطًا مستقيمًا، وكلمةً صادقة، واكتب لنا بها أثرًا طيبًا.