تقف بلادنا اليوم في قلب بيئة إقليمية مضطربة، ونحن لا ننظر إلى ما يجري من موقع المراقب، بل من موقع المنتمي الذي يعرف أن هذا الوطن لم يُبنَ على سهولة الظروف، بل على قدرته على صناعة الاستقرار من داخل الاضطراب. فالحرب مع المليشيا الحوثية ليست سوى الواجهة العسكرية لصراع أوسع، تتداخل فيه أذرع إيرانية وضغوط اقتصادية وحملات إعلامية ودينية ومحاولات إضعاف المكانة العربية والإسلامية للمملكة. لكن ما يميز التجربة السعودية ليس غياب الخصوم، بل قدرتها على تحويل التهديدات إلى دافع لإعادة بناء أدوات قوتها. فالحرب على الحدود الجنوبية كشفت لنا أن الترسانة المتقدمة وحدها لا تصنع الأمن، فاتجهت الرياض إلى تطوير قدرات دفاعية ذاتية، وتنويع مصادر التسليح، وتعزيز الردع بوسائل أكثر استدامة. وفي البحر الأحمر، لم تكن الهجمات على الملاحة مجرد أعمال عسكرية، بل حربًا على شريان التجارة العالمي وصورة بلادنا كمركز آمن للأعمال والاستثمار. والرد السعودي لم يكن انكفاءً، بل تسريعًا للتنويع الاقتصادي وتقليل الاعتماد على النفط، وبناء اقتصاد أكثر مرونة رغم كلفة الحرب والاضطراب الإقليمي.
وإلى جانب الحوثي، تتصدر إيران قائمة الخصوم الخارجيين، بوصفها الفاعل الأكثر تأثيرًا في دعم المليشيات وتهديد المنشآت الحيوية والأمن الإقليمي. وحتى بعد التقارب الدبلوماسي الذي رعته الصين، نرى أنه كان توقفًا تكتيكيًا في تنافس أعمق، لا نهاية له. كما تواجه المملكة تيارات دينية سياسية عابرة للحدود، تحاول توظيف الدين في الصراع على النفوذ، وترى في الانفتاح وإعادة تعريف الخطاب الديني الرسمي تهديدًا لمصالحها. وهذه التيارات لا تُواجه بالأمن وحده، بل بشرعية دينية ووطنية قائمة على خدمة الحرمين الشريفين، وتقديم خطاب إسلامي وسطي معاصر، وتفكيك الفكر المتطرف، وعدم ترك الدين ساحة يُحتكر فيها التأويل لصالح مشاريع سياسية. وهنا يظهر البعد الديني كعنصر قوة وحساسية في الوقت نفسه: فبلادنا تحمل ثقلًا إسلاميًا عالميًا لا يضاهى، لكن هذا الثقل يجعلها هدفًا دائمًا لمن يريدون استثمار الدين في التحريض أو التشكيك.
وفي المشهد الإقليمي، هناك منافسون يفضلون نماذج مختلفة للقوة: عواصم خليجية تنافس عبر اللوجستيات والمال والوساطة، وقوى إقليمية تريد ترسيخ نفوذها عبر الإعلام والغاز والتحالفات المتقاطعة. هذا التنافس لا يُدار بالخطابات، بل بالأداء والنتائج. ونحن ندرك أن انتصار السعودية لا يعني إقصاء الجميع، بل أن يصبح نموذجها القائم على السيادة والإنتاج والتنويع أكثر جاذبية واستدامة من النماذج القائمة على الوساطة أو المتاجرة بالاضطراب. أما الحملات الإعلامية والتضليلية، فبعضها نقد مشروع يجب التعامل معه بجدية، لكن بعضها الآخر ليس نقدًا بقدر ما هو محاولة لهدم أي نموذج عربي ناجح، ويُواجه بعدم الانجرار إلى الحرب الكلامية، وبالمضي في الإصلاح، وبناء قوة ناعمة مضادة قائمة على الإنجاز لا على الشائعات.
ولا يمكن فهم ثبات المملكة دون بعدها العربي. فنحن جزء أصيل من العمق العربي، ولنا ثقل خليجي وعربي لا يقوم فقط على النفط أو الاقتصاد، بل على المكانة التاريخية والدينية والجغرافية. ورغم التحديات، بقيت بلادنا فاعلًا رئيسيًا في القضايا العربية الكبرى، من دعم الاستقرار في اليمن إلى التعامل مع ملفات الأمن الإقليمي والقضية الفلسطينية. لكن هذا الدور لم يعد يدار بالطريقة التقليدية؛ فنحن نريد أن نكون مركز ثقل عربي وإسلامي قادرًا على المناورة بين المصالح الدولية، لا مجرد ساحة تتقاطع فيها مشاريع القوى الكبرى. وهذا يفسر حساسية الخصوم تجاه السعودية: فنجاحها في الجمع بين الهوية العربية والإسلامية والانفتاح الاقتصادي العالمي يخلق نموذجًا مزعجًا لمن يريدون إبقاء المنطقة في حالة ضعف وتنازع.
والإنصاف يقتضي القول إن المملكة ليست دولة بلا تحديات؛ فالحرب مكلفة، والتحول الاقتصادي يحتاج وقتًا، والإصلاح الاجتماعي والديني يثير حساسيات، وإدارة الأمن لا يمكن أن تكون بديلًا عن الحلول السياسية في اليمن والمنطقة. لكن ما يظل صحيحًا أن بلادنا أثبتت قدرة نادرة على البقاء ثابتة وسط عاصفة تتقاطع فيها الحرب والاقتصاد والدين والهوية. وانتصار الرياض هنا ليس انتصارًا عسكريًا لحظيًا، بل انتصار استراتيجي تراكمي: أن نفرض واقعًا لا تستطيع فيه إيران فرض إرادتها بالقوة؛ وأن تفقد التيارات الدينية المسيسة قدرتها على التأثير في الوعي العام؛ وأن يتفوق النموذج السعودي القائم على السيادة والإنتاج على النماذج المنافسة؛ وأن تبقى مكانتنا العربية والإسلامية رصيدًا جامعًا لا ورقة صراع. وبهذا المعنى، فإن السعودية لا تنتظر أن تهدأ العاصفة لتنتصر، بل تصنع انتصارها من داخل العاصفة نفسها؛ قلعةً لا تهتز لأنها تعلمت كيف تتحول من هدف للتهديدات إلى صانعة لقواعد اللعبة الإقليمية والدولية.
تقف بلادنا اليوم في قلب بيئة إقليمية مضطربة، ونحن لا ننظر إلى ما يجري من موقع المراقب، بل من موقع المنتمي الذي يعرف أن هذا الوطن لم يُبنَ على سهولة الظروف، بل على قدرته على صناعة الاستقرار من داخل الاضطراب. فالحرب مع المليشيا الحوثية ليست سوى الواجهة العسكرية لصراع أوسع، تتداخل فيه أذرع إيرانية وضغوط اقتصادية وحملات إعلامية ودينية ومحاولات إضعاف المكانة العربية والإسلامية للمملكة. لكن ما يميز التجربة السعودية ليس غياب الخصوم، بل قدرتها على تحويل التهديدات إلى دافع لإعادة بناء أدوات قوتها. فالحرب على الحدود الجنوبية كشفت لنا أن الترسانة المتقدمة وحدها لا تصنع الأمن، فاتجهت الرياض إلى تطوير قدرات دفاعية ذاتية، وتنويع مصادر التسليح، وتعزيز الردع بوسائل أكثر استدامة. وفي البحر الأحمر، لم تكن الهجمات على الملاحة مجرد أعمال عسكرية، بل حربًا على شريان التجارة العالمي وصورة بلادنا كمركز آمن للأعمال والاستثمار. والرد السعودي لم يكن انكفاءً، بل تسريعًا للتنويع الاقتصادي وتقليل الاعتماد على النفط، وبناء اقتصاد أكثر مرونة رغم كلفة الحرب والاضطراب الإقليمي.
وإلى جانب الحوثي، تتصدر إيران قائمة الخصوم الخارجيين، بوصفها الفاعل الأكثر تأثيرًا في دعم المليشيات وتهديد المنشآت الحيوية والأمن الإقليمي. وحتى بعد التقارب الدبلوماسي الذي رعته الصين، نرى أنه كان توقفًا تكتيكيًا في تنافس أعمق، لا نهاية له. كما تواجه المملكة تيارات دينية سياسية عابرة للحدود، تحاول توظيف الدين في الصراع على النفوذ، وترى في الانفتاح وإعادة تعريف الخطاب الديني الرسمي تهديدًا لمصالحها. وهذه التيارات لا تُواجه بالأمن وحده، بل بشرعية دينية ووطنية قائمة على خدمة الحرمين الشريفين، وتقديم خطاب إسلامي وسطي معاصر، وتفكيك الفكر المتطرف، وعدم ترك الدين ساحة يُحتكر فيها التأويل لصالح مشاريع سياسية. وهنا يظهر البعد الديني كعنصر قوة وحساسية في الوقت نفسه: فبلادنا تحمل ثقلًا إسلاميًا عالميًا لا يضاهى، لكن هذا الثقل يجعلها هدفًا دائمًا لمن يريدون استثمار الدين في التحريض أو التشكيك.