تبدو حاسة الشم أكثر الحواس الإنسانية قدرةً على استدعاء الماضي، فهي تتميز بارتباطها الوثيق بالمناطق الدماغية المسؤولة عن الانفعال والذاكرة، فالرائحة لا تستأذن الوعي كي تعيد الأحداث،ولا تمهد الطرقات كي تصل ،ولاتتدرج حتى تذكرنا بالحكايات،فرائحة عطرٍ قديم كافية لفتح بابٍ خفيٍ في الروح،وقادرة على إخبارنا بأن الزمن الذي ظنناه منقضيًا مازال مختبئًا في مكان ما داخلنا،فقط ينتظر إشارة صغيرة ليظهر من جديد،فالعلاقة بين العطر والذاكرة تتجاوز الجانب النفسي لتلامس الثقافة والهوية والزمن،العطر ليس مجرد مادة ذات رائحة طيبة، بل هو لغة غير مرئية تحمل معها آثار المكان والأشخاص والمناسبات والطقوس الاجتماعية. ومن هنا يمكن النظر إليه بوصفه نوعًا من الأرشيف الحسي الذي لا تُحفظ مواده في الكتب والصور،وإنما في التجربة الجسدية والوجدان. فالإدراك الشمي لا يُختزل في التعرف على الرائحة وتمييز خصائصها، وإنما يتداخل مع منظومة معقدة من الاستجابة الانفعالية واستدعاء الخبرات السابقة وبناء المعنى الشخصي للتجربة،فعندما يشم الإنسان رائحة مرتبطة بتجربة سابقة، لا يستعيد بالضرورة معلومة مجردة عن تلك التجربة، وإنما قد يعود إليه الشعور،ولهذا تختلف الرائحة عن الصورة أو الكلمة في طبيعة تأثيرها،هي تعمل كـ”مفتاح” لشبكة من الروابط المخزنة في الذاكرة.ويمكننا القول بأن قوة هذه الروابط تزداد عندما تكون الرائحة حاضرة في مرحلة عمرية شديدة الحساسية، فبعض الروائح المرتبطة بالطفولة أو المراهقة تظل قادرة على إثارة استجابات وجدانية بعد عقود، لأن تلك المراحل تتضمن تجارب تأسيسية في بناء صورة الإنسان عن ذاته وعن العالم المحيط به.وإذا كان العطر قادرًا على حفظ الذاكرة الفردية، فإنه يستطيع أيضًا أن يحفظ الذاكرة الجماعية. فالمجتمعات لا تتذكر تاريخها بالكلمات والصور وحدها؛ بل تتذكره من خلال الأصوات والملمس والطعم والرائحة التي قد ترتبط بالبيت،والمدرسة والمجلس، والاحتفال، والضيافة، والمناسبات الدينية والاجتماعية، ومن ثم يصبح شم رائحة معينة استدعاءً غير مباشر لمشهد اجتماعي كامل،فالرائحة جزءً من قاموس ثقافي غير مكتوب تتوارثه الأجيال. أيضًا المدن والأسواق والأحياء تمتلك ما يمكن تسميته “ذاكرة شمية” فيتعرف الإنسان على مكان ما من رائحته قبل أن يراه.ولذلك فإن تجربة السفر أو الهجرة يمكن أن تجعل الروائح أكثر أهمية. فالإنسان الذي يبتعد عن وطنه قد يبحث، بصورة واعية أو غير واعية، عن روائح مألوفة تمنحه إحساسًا بالانتماء، فرائحة قهوة معينة، أو نوع من البخور، أو توابل منزلية، قد تستعيد لديه إحساس المكان الذي غادره. ومن هذه الزاوية، تصبح الرائحة وسيلة لمقاومة النسيان حيث يسمح للمكان بأن يستمر داخل الإنسان حتى بعد غيابه عنه. العطر لا يستحضر الماضي فحسب، بل يعيد تشكيل علاقتنا بالزمن. فحين نستعيد ذكرى بواسطة رائحة، لا يعود الماضي شيئًا منفصلًا عن الحاضر؛ بل يتداخل الزمنان في تجربة واحدة،وقد يكون هذا التداخل حميميًا ومريحًا، كما يحدث عندما تستعيد رائحة ما ذكريات الطفولة أو البيت القديم، لكنه قد يكون مؤلمًا أيضًا، خصوصًا إذا ارتبطت الرائحة بشخص فقدناه أو فترة مؤلمة أو مرحلة انتهت بصورة لا يمكن استعادتها. وهنا تكمن المفارقة: العطر يستعيد أثر التجربة لا التجربة ذاتها،العطر نقطة التقاء بين الجسد والذاكرة، وبين الفرد والثقافة، وبين المكان والزمن. وقد تكون قوته الحقيقية في كونه غير مرئي؛ فالصورة تحتاج إلى أن ننظر إليها، والكلمة تحتاج إلى أن نقرأها، أما الرائحة فقد تدخل إلى الذاكرة قبل أن نمنحها اسمًا.