العدمية السياسية وجرأة من لا يملك ما يخشى عليه.. الحوثيون نموذجاً – صبحي شبانة

أصعب أنواع الصراع على الإطلاق ذلك الذي يخوضه طرف يملك كل شيء في مواجهة طرف لا يملك شيئًا يخشى عليه، فالطرفان في هذه الحالة لا يقفان على أرضية واحدة، ولا يحتكمان إلى المنطق نفسه، ولا يقيسان الربح والخسارة بميزان واحد، فبينما تفكر الدولة في اقتصادها ومدنها ومستقبل أجيالها، لا يفكر الطرف الآخر إلا في البقاء يومًا إضافيًا، وبينما تحسب الدولة كل خطوة بحساب ما ستخسره وما ستربحه، يمضي الطرف الآخر بلا حساب لأنه أصلًا لا يملك ما يخشى عليه، وهذه هي جوهر ما يمكن أن نسميه العدمية السياسية، حالة تتجرد فيها القوة من أي مشروع، ويتحول السلاح فيها إلى غاية في ذاته، لا سبيلًا لبناء شيء، وربما لا يوجد اليوم مثال أوضح على هذه الحالة من ميليشيا الحوثي في اليمن، التي تختصر في سلوكها وبنيتها وخطابها كل ملامح هذه الظاهرة الخطرة.

والعدمية في جوهرها الفلسفي ليست مجرد رفض للقيم أو تعطيل للمعنى، وإنما هي غياب الأفق، غياب السؤال عن الغد، غياب الإحساس بأن ما يُبنى اليوم سيُسأل عنه غدًا، والعدمي بهذا المعنى، لا يخشى الخسارة لأنه لم يكن يومًا يملك ما يُخشى عليه، ولا يهابُ الدمار لأنه لا يرى في العمران قيمة تستحق الحماية، وحين تنتقل هذه الحالة من الفرد إلى الجماعة، ومن الفلسفة إلى السياسة، تتحول إلى ما يمكن تسميته بالعدمية السياسية، وهي أخطر أشكال العنف المسلح لأنها تجرّد الصراع من أي سقف أخلاقي أو عملي يمكن التفاوض حوله، فالطرف الذي لا يملك مشروعًا للدولة، ولا رؤية للمستقبل، ولا شعبًا يُسأل عن مصيره، يصبح في حِلّ من كل القيود التي تكبح الدول الطبيعية، ويتحول العنف عنده من أداة لتحقيق هدف إلى أسلوب حياة قائم بذاته.

وميليشيا الحوثي، حين نتأملها بعين هذا التحليل، تبدو نموذجًا شبه كامل لهذه الحالة، فهي جماعة نشأت في بيئة جبلية وعرة، بين السهول المتناثرة وبواطن الجبال والوديان، وتشكّل وعيها بمنطق البقاء لا بمنطق البناء، ولم تكن يومًا في تاريخها مسؤولة عن إدارة اقتصاد، ولا عن تشغيل مصنع، ولا عن توفير فرص عمل لملايين البشر، ولا عن موازنة دولة تحتاج إلى استقرار وسمعة وثقة دولية لتستمر، ولذلك فإن معادلة الربح والخسارة التي تحكم تفكير الدول لا تعني لها شيئًا، فهي لا تملك مدنًا حديثة تخشى عليها من الدمار، ولا بنية تحتية ضخمة تخاف أن تفقدها، ولا سوقًا ماليًا يتأثر بأي اهتزاز أمني، ولا سياحًا ومستثمرين ينتظرون بيئة آمنة مستقرة، إنها ببساطة لا تملك ما تخسره، وهذا بالذات ما يجعلها مستعدة للمقامرة بمصير شعب بأكمله من أجل بقائها هي، وهنا تكمن المفارقة الكبرى في هذا الصراع، فالميليشيا التي تتحدث باسم اليمن لا تحمل من اليمن سوى الجغرافيا التي تتمترس بها، أما اليمن بمعناه الحقيقي، بشعبه وتاريخه وحضارته الممتدة آلاف السنين، فهو أول ضحايا هذه العدمية، لأن الجماعة التي لا تخشى على شيء لا تتورع عن استخدام المدارس دروعًا، ولا عن تحويل الأحياء السكنية إلى مواقع عسكرية، ولا عن تجنيد الأطفال في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ولا عن مصادرة قوت الناس اليومي وتحويله إلى وقود لآلة الحرب، فحين لا يكون لديك ما تخشى عليه، يصبح كل شيء قابلًا للتضحية به، بما في ذلك من يفترض أنك تتحدث باسمهم.

وفي المقابل، حين ننظر إلى الجهة الأخرى من المعادلة، إلى المملكة العربية السعودية، يتضح الفارق الجوهري الذي يصنع اختلاف المنطق بأكمله، فالمملكة دولة تملك شعبًا يتجاوز أفراده الثلاثين مليون إنسان، لكل منهم أسرة، وحلم، ومستقبل يُبنى له، وتملك رؤية واضحة المعالم، رؤية المملكة 2030، التي لم تعد مجرد خطة على الورق، بل واقع يتجسد في مدن جديدة تنهض من قلب الصحراء، ومشروعات عملاقة تعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي، من نيوم إلى البحر الأحمر، إلى القدية، ومن التحول في الطاقة إلى الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والصناعة والسياحة والثقافة والرياضة، وهذه المشروعات ليست رفاهية عابرة، وإنما استثمار في المستقبل، استثمار يعني أن كل قرار تتخذه المملكة اليوم يُقاس بأثره على الأجيال القادمة، وأن كل خطوة في السياسة الخارجية تُوزَن بميزان دقيق يأخذ في حسبانه الاستقرار الذي تحتاجه هذه المشروعات لتكتمل، ومن هنا يتضح أن ما يبدو للبعض تريثًا أو طول أناة في التعامل مع تهديدات الحوثي ليس ضعفًا ولا تراخيًا، بل هو بالضبط الفارق الطبيعي بين دولة تملك ما تخشى عليه ودولة لا تملك أحيانًا رفاهية المخاطرة العمياء، فالدولة التي تدير اقتصادًا بحجم تريليونات الدولارات، وتستضيف ملايين الحجاج والمعتمرين والسياح والمستثمرين سنويًا، وتخطط لعقود قادمة من التنمية، تفكر بمنطق مختلف تمامًا عن جماعة لا تخسر شيئًا إن اشتعلت الحرب غدًا، بل ربما تكسب من استمرارها، لأن الفوضى بالنسبة لها بيئة طبيعية تتنفس فيها، بينما الاستقرار هو الأكسجين الذي تتنفسه الدولة صاحبة المشروع.

وهذا الفارق بالذات هو ما يفسر لماذا تبدو الحروب مع الجماعات العدمية أطول من الحروب التقليدية بين الدول، فالدولة صاحبة المشروع تخوض الحرب وهي تحمل في ذهنها صورة اليوم التالي، صورة المدن التي يجب ألا تتضرر، والاقتصاد الذي يجب ألا يهتز، والسمعة الدولية التي يجب أن تُصان، أما الجماعة العدمية فلا صورة لديها لليوم التالي، لأنها لم تصنع يومًا تصورًا لدولة، ولا لاقتصاد، ولا لمستقبل، وكل ما تملكه هو اللحظة الراهنة، لحظة البقاء، ولحظة إثبات الوجود بالقوة، وهذا يجعلها خصمًا صعبًا، ليس لأنها أقوى، بل لأنها لا تخضع لحسابات الخسارة التي تحكم سلوك الدول والمجتمعات المتحضرة، ولعل أخطر ما في العدمية السياسية أنها لا تكتفي بتدمير الحاضر، بل تسعى عن وعي أو غير وعي، إلى إفراغ المستقبل من معناه وحلمه الموعود، فالجماعة التي لا تملك رؤية لا تستطيع أن تقدم لشعبها سوى استمرار الأزمة، لأن استمرار الأزمة هو مصدر شرعيتها الوحيد، وبقاؤها مرهون ببقاء حالة الطوارئ والتعبئة، فإذا حل السلام وعادت الدولة إلى مؤسساتها الطبيعية، وانفتحت الأسواق، وعاد الناس إلى حياتهم اليومية، فقدت الميليشيا مبرر وجودها بالشكل الذي اعتادته، ولهذا فإن من مصلحتها الوجودية أن تبقي جذوة الصراع مشتعلة، لا أن تطفئها، وهذا فارق جوهري آخر بينها وبين الدولة التي تجد في السلام والاستقرار شرط استمرارها ونموها، لا خطرًا على وجودها.

وإذا انتقلنا من مستوى التحليل الفلسفي إلى مستوى القراءة الإستراتيجية، فإن هذا الفارق يفرض على صانع القرار في المملكة معادلة دقيقة، فهو لا يواجه دولة يمكن ردعها بمنطق الردع التقليدي القائم على التهديد بما تخسره، لأن الطرف الآخر لا يملك من الأصول ما يُخشى تهديده، وإنما يواجه ظاهرة تحتاج إلى مقاربة مركبة تجمع بين الحزم العسكري حين يستدعي الأمر، واليقظة الاستخباراتية الدائمة، والعمل الدبلوماسي الذي يُجفف منابع الدعم الخارجي، والجهد الإنساني الذي يفصل بين الشعب اليمني وبين من يدّعي تمثيله، وهذه المقاربة المتعددة الأبعاد هي بالضبط ما تنتهجه المملكة، لأنها تدرك أن التعامل مع ظاهرة عدمية بمنطق الحرب التقليدية وحده قد لا يكفي، بل قد يُبقي الجرح مفتوحًا لأن الخصم يتجدد من رحم الفوضى نفسها التي يصنعها.