الضعف الدراسي بمقياس اليوم لا الأمس.. – د.شريف بن محمد الأتربي

تحدثنا عن الضعف الدراسي وعلاجه من النقطة صفر. لكن قبل العلاج سؤالٌ أسبق: هل حدّثنا معايير الضعف الدراسي بما يتواءم مع وقتنا الحالي، أم ما زلنا نقيس طلاب اليوم بمسطرة صُنعت لطلاب الأمس؟

تخيّل طالبًا في الثانوية. واجباته مكتملة، وبحوثه مرتبة، ودرجاته الفصلية تلامس الكمال. ثم تطلب منه أن يشرح لك فقرة واحدة مما سلّمه، أو أن يحل مسألة تشبه ما أجاب عنه… فيصمت.

هل هذا طالب متفوق؟ أم طالب يبدو متفوقًا بمقياس لا يكشف حقيقة تعلمه؟ ومن أخطأ في التشخيص: الطالب، أم المسطرة التي قسناه بها؟

في دراسة لباحثين من معهد ماساتشوستس للتقنية، تناولت أثر استخدام ChatGPT في كتابة المقالات، واجه المشاركون الذين استعانوا بالأداة صعوبة في استدعاء عبارات دقيقة من كتاباتهم. وطرح الباحثون مفهوم «الدَّين المعرفي» لوصف مخاوف من أن تؤدي الاستعانة المفرطة بالأداة إلى تقليل الانخراط المعرفي في المهمة.

ولا تعني هذه النتائج أن كل استخدام للذكاء الاصطناعي يضعف التفكير، لكنها تفتح سؤالًا تربويًا يستحق الاهتمام: ماذا يحدث عندما نحصل على النتيجة دون أن نبذل الجهد الذي يفترض أن يقودنا إلى التعلم؟

هنا تبدأ المشكلة: قد يختبئ الضعف خلف أداء مرتفع، ويصبح إنجاز المهمة دليلًا مضللًا على حدوث التعلم.

لعقود طويلة كان تعريف الضعف بسيطًا: درجة دون الحد، ورسوب في مادة، وتأخر عن أقران الصف. تعريف يناسب زمنًا كان الكتاب فيه مصدر المعرفة الأول، والاختبار مرآة لما استقر في ذهن الطالب.

لكن ماذا تقيس الدرجة اليوم؟ ما في رأس الطالب، أم ما في جهازه؟ قدرته على الفهم، أم مهارته في صياغة سؤال للآلة؟

الدرجة لم تفقد قيمتها، لكنها لم تعد تكفي وحدها. لم يعد السؤال: هل أنجز الطالب المهمة؟ بل: هل تعلّم منها شيئًا؟

وتقدم تجربة ميدانية نشرتها مجلة الأكاديمية الوطنية الأمريكية للعلوم (PNAS)، وشملت قرابة ألف طالب ثانوي في تركيا، دليلًا مهمًا على هذه الإشكالية. فقد تحسن أداء الطلاب الذين استخدموا ChatGPT في تمارين الرياضيات، لكن مجموعة استخدمت الأداة بصورتها المعتادة سجلت أداء أقل في الاختبار اللاحق دونها مقارنة بمن لم يستخدموها. وفي المقابل، ساعد تصميم تعليمي يوجّه الأداة إلى تقديم التلميحات بدلًا من الإجابات الجاهزة على الحد من هذا التراجع.

المشكلة إذن ليست في الأداة، بل في أن تحل محل العقل بدل أن توسّعه. والمطلوب ليس أن نمنع الطالب من أدوات عصره، بل أن نملك مقياسًا يكشف الفرق بين من يتعلم ومن يكتفي بإنجاز المطلوب.

إذا لم تعد الدرجة وحدها تكفي، فعمّ نبحث؟ ملامح الضعف الجديد أوضح مما نتخيل، لكنها قد تختبئ خلف أداء مقبول.

بحث متكامل لا يستطيع صاحبه تلخيص فكرته، ولا تطبيقها على موقف جديد. وتكشف نتائج PISA 2025 الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن اتساع استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في التعلم؛ إذ أفاد 46 % من الطلاب في دول المنظمة باستخدام روبوتات المحادثة أسبوعيًا أو أكثر للمساعدة في التعلم. كما أظهرت النتائج أن الطلاب الذين يستخدمون هذه الأدوات في مهام مدرسية محددة، مثل تلخيص النصوص وصياغتها وإجراء البحوث، سجلوا درجات أقل في العلوم من غيرهم. لكن هذه العلاقة لا تثبت وحدها أن استخدام الذكاء الاصطناعي هو سبب انخفاض الدرجات.

الضعيف اليوم قد يكون صاحب أجمل واجب في الفصل.

طالب حاضر بجسده، غائب بذهنه، لا يحتمل نصًا طويلًا ولا مهمة تحتاج إلى نَفَس ممتد. وقد أظهرت نتائج PISA 2025 أن تشتت الانتباه المرتبط باستخدام الأجهزة الرقمية يمثل تحديًا تعليميًا في عدد من البيئات المدرسية، خصوصًا عندما تُستخدم الأجهزة لأغراض غير تعليمية أثناء الحصة.

ولا يكمن المعيار هنا في عدد الساعات التي يقضيها الطالب أمام الشاشة وحده، بل في قدرته على التركيز، ومتابعة الأفكار، وإنجاز مهمة تتطلب وقتًا وجهدًا ذهنيًا دون استسلام متكرر للمشتتات.

يقرأ الكلمات ولا يدرك العلاقات بينها، يجد المعلومة الصريحة ولا يستنتج ما وراءها. وقد سجل متوسط القراءة لدى طلاب دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية انخفاضًا بلغ 28 نقطة بين عامي 2015 و2025، وفق نتائج PISA 2025. كما أشارت النتائج إلى تراجع مهارات مهمة في عصر الذكاء الاصطناعي، مثل تقييم المعلومات والربط بين مصادر متعددة والتفكير النقدي فيما نقرأ.

ومن لا يفهم المسألة المكتوبة قد يعجز عن حلها، مهما أتقن الحساب.

يقبل أول إجابة تظهر له، لا يسأل عن مصدرها، ولا يميّز الرأي من الدليل. وقد يتعامل مع إجابة مولّدة بالذكاء الاصطناعي باعتبارها حقيقة مؤكدة، دون أن يختبر منطقها أو يقارنها بمصدر موثوق.

ولهذا تزداد أهمية تعليم الطلاب كيفية التحقق من المعلومات، واكتشاف الأخطاء والتناقضات، والتمييز بين المعلومة الصحيحة والإجابة التي تبدو مقنعة فحسب. فالعالم لا يحتاج إلى من يصل إلى الإجابة بسرعة فقط، بل إلى من يعرف كيف يحكم على صحتها.

العالم يعيد تعريف الكفاءة، فهل نعيد نحن تعريف الضعف؟

ينجح الطالب في تكرار خطوات محفوظة، ويتعثر حين تتغير صيغة السؤال. لا يعرف كيف يبدأ وحده، ولا كيف يحدد ما لا يفهمه، ولا كيف يتحقق من أنه أتقن المهارة المطلوبة.

وفي عالم قد تتقادم فيه المعرفة قبل أن يتخرج الطالب، يصبح العجز عن التعلم المستقل تحديًا يتجاوز حدود اختبار أو مادة دراسية.

هذه الملامح لا تلغي مؤشرات الضعف المعروفة في القراءة والكتابة والحساب، بل تكشف ما قد تخفيه الدرجات المرتفعة.

أبسط أداة تشخيص في هذا الزمن قد تكون سؤالًا من ثلاث كلمات: «اشرح لي ما كتبت».

ثم يطلب المعلم من الطالب أن يقدم مثالًا من عنده، أو يحل مسألة شبيهة، أو يوضح سبب اختياره إجابة دون أخرى، أو يتحقق من معلومة باستخدام مصدر موثوق.

فالطالب الذي يشرح بلغته، ويبرر خطواته، ويطبق ما تعلمه في موقف جديد، يقدم شواهد على تعلمه. أما إذا عجز عن ذلك، فهذه إشارة تستحق مزيدًا من الفحص، لا حكمًا فوريًا بضعفه؛ فقد يكون سبب التعثر نقصًا في المعرفة، أو صعوبة في التعبير، أو قلقًا أثناء التقويم.

ويمكن أن يجمع التقويم بين مهمة قصيرة ينجزها الطالب بنفسه داخل الصف، وأخرى يُتاح فيها استخدام الذكاء الاصطناعي ويُقاس حسن توظيفه. فالسؤال الحقيقي ليس: هل استخدم الأداة؟ بل: ماذا بقي من قدرته بعد استخدامها؟

وهنا يتغير دور المعلم. لم يعد مصححًا للأوراق فقط، بل قارئًا لطريقة تفكير طلابه، يرصد أين يتعثر الفهم، ويحدد المهارة التي تحتاج إلى دعم، ثم يتحقق من حدوث التحسن.

والأسرة شريك في التشخيص أكثر مما تظن. فالحوار مع الأبناء عما تعلموه، وكيف توصلوا إلى الإجابة، وما الذي وجدوه صعبًا، وما الذي تحققوا منه بأنفسهم، قد يكشف جوانب لا تظهر في الشهادة المدرسية. والمهم أن يكون الحوار عن التعلم والفهم، لا ضغطًا جديدًا من أجل الدرجة.

المؤشر وحده لا يعالج أحدًا. كل ملمح يحتاج إلى تشخيص يحدد أصله، وتدخل يناسبه، وقياس يثبت أن التدخل أحدث أثرًا.

فالفجوة بين الإنجاز والفهم مثلًا: هل سببها اعتماد مفرط على الأداة، أم ضعف في الأساسيات، أم صعوبة في التعبير؟ لكل سبب علاج مختلف، والخطأ في تحديد السبب يعني علاجًا في غير موضعه.