“الصمت العقابي” يلاحق انفجار 4 آب 2020

"ليس من الطبيعي أن تمرّ ٦ سنوات على كارثة بهذا الحجم من دون صدور أحكام نهائية تحدد المسؤوليات الجنائية وتحاسب المسؤولين، خاصة عندما تكون الخسائر البشرية والمادية بهذا الحجم (...) لا بدّ من تطبيق العدالة وفق القانون، وضمان تحقيق مستقل وشفاف يحاسب جميع المسؤولين دون استثناء، ومحاكمة كل من يثبت تورطه أو إهماله أو تستره، مهما كان منصبه". بهذه الكلمات أجابني الذكاء الاصطناعي عندما طرحت عليه سؤالاً بديهياً: هل من الطبيعي أن يستمرّ التحقيق في انفجار مرفأ بيروت معلّقاً حتى اليوم؟ فجاء جوابه متوافقاً مع المنطق الإنساني قبل القانوني.صحيح أن لبنان شهد منذ 4 آب 2020 أزمات وانهيارات وحروباً وأحداثاً هزّت كيانه من جديد، لكن هل يمكن لكل ذلك أن يمحو تلك "المجزرة الوطنية"؟ مستحيل. فالسؤال لا يزال نفسه: أين الحقيقة؟ وأين العدالة؟ دماء شهداء الرابع من آب لم ولن تبرد. فهي ما زالت تصرخ تحت الركام، فيما لائحة المسؤولين عن تلك الحريمة لا تزال بيضاء فارغة، وكأن الجريمة وقعت بلا مرتكبين. وفي المقابل، يعيش أهالي الضحايا أسرى انتظار لا يبدو أن له نهاية، ينتظرون حقيقة لم تُكشف، وعدالة لم تتحقق، ودولة لم تنصف أبناءها.وكأن هذا الملف انضم إلى قائمة القضايا الإنسانية المؤجلة على رفوف سلطة أنهكتها الانقسامات وأضعفها الفساد. سلطة تبدو، في نظر كثيرين، وكأنها تمارس "الصمت العقابي". لكن بحق من؟ بحق كل لبناني بريء، كان ذنبه الوحيد أنه وجد نفسه يوماً تحت الركام، أو لا يزال يمشي في شوارع بيروت وهو يشعر أن الأرض التي يعبرها تحفظ في ذاكرتها دماء الأبرياء، فيما يبقى الإفلات من العقاب سيد الموقف.العدالة لم تكن يوماً مطلباً يخص الشهداء وعائلاتهم وحدهم، بل هي حاجة وطن بأكمله، داخل لبنان وخارجه. فالانفجار لم يتوقف عند حدود المرفأ، بل وصل إلى كل بيت لبناني في الاغتراب. في تلك اللحظات، بينما كانت صفارات الإنذار تعلو، وفرق الإسعاف والدفاع المدني تبحث بين الركام عن ناجين، كان ملايين اللبنانيين حول العالم يعيشون الكارثة لحظة بلحظة، عاجزين إلا عن الانتظار والدعاء والخوف. ست سنوات مرّت، ولا تزال آثار الانفجار محفورة في شوارع بيروت كما في ذاكرة اللبنانيين. لكن الجرح الأكبر لم يكن الدمار وحده، بل استمرار غياب العدالة. فلا يزال التحقيق أسير التعطيل، فيما يبقى المسؤولون عن هذه الجريمة خارج دائرة المحاسبة.لبنان ينهض في كل مرة من تحت الركام، نعم.. وأبناؤه لا يستسلمون أمام حقّهم بالتمسّك بالحياة، نعم.. فهل الصمت هو العقاب الذي يُفرض على شعب لا يعرف سوى النهوض بعد كل مأساة؟ متى سينكسر هذا الصمت، وتتحول المطالبة بالحقيقة إلى أحكام تصدر بإسم العدالة؟ ومتى سيشعر أهالي ضحايا 4 آب وغيرها من الكوارث، ولو قليلاً، بأن القانون لم يتخلَّ عنهم، وأن وطنهم لم يترك دماء أحبّائهم بلا حساب؟