عادةً ما يرتبط لفظ الشغف بالحب، فما حكاية هذا الارتباط، وما أبعاده؟ في اللغة أسرارٌ تتجاوز حدود المعنى المباشر إلى ما وراءه من صور ودلالات، فالألفاظ تحتفظ في أعماقها بذاكرة الإنسان الأولى، فتروي لنا كيف فهم مشاعره، وكيف صاغ تجربته مع الحب والحياة.
يرتبط الشغف بالشَّغاف، وهو غلاف القلب، وقد جاء التعبير القرآني في قوله تعالى: (قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا) [يوسف: 30]، ليصوّر بلوغ الحبّ أعماق النفس ونفوذه إلى موضع شديد الخصوصية منها. وفي هذا التصوير دلالة تتجاوز وصف العاطفة إلى رسم حركتها في الداخل؛ فالمشاعر مراتب، منها ما يمرّ بالإنسان عابرًا، ومنها ما يترك أثرًا، ومنها ما يتغلغل في وجدانه حتى يعيد ترتيب اهتماماته، ويمنح الأشياء من حوله معاني جديدة.
وفي انتقال اللفظ من دلالته المتصلة بالقلب إلى استعماله الواسع في وصف الميول والاهتمامات ما يستحق التأمل؛ فالشغف اليوم يرافق الحديث عن المعرفة والإبداع والفنون والعمل، ويعبّر عن علاقة تتجاوز أداء الواجب إلى التعلّق بما يؤديه الإنسان، حتى يجد في تفاصيله متعةً، وفي مشقته دافعًا، وفي مواصلة الطريق رغبةً تتجدد.
والشغف في حياة الإنسان أوسع من حكاية الحبّ بين قلبين؛ فقد يسكن المرء علمًا يتتبّع أسراره، أو لغةً يتقصّى جمالياتها، أو فنًّا يرى فيه امتدادًا لروحه، أو رسالةً يجد في أدائها معنى لوجوده. وهنا يصبح الشغف طاقةً تدفع إلى التعلّم، وتمنح الصبر معناه، وتجعل الطريق الطويل محتملًا؛ لأن في نهايته شيئًا يستحقّ السعي، وفي تفاصيله متعةً تتجاوز انتظار النتائج.
والفرق كبير بين أن يؤدي الإنسان عمله لأن عليه أن يؤديه، وأن يُقبل عليه بشغفٍ يجعله يرى في كلّ تفصيل فرصةً للإتقان، وفي كلّ عقبةٍ سؤالًا يستحقّ البحث، فالشغف يوقظ فضول العقل، ويمنح الموهبة فرصةً للنمو، ويجعل صاحبه أكثر استعدادًا لبذل الجهد.
غير أن الشغف، على ما يمنحه للإنسان من دافعية وإقبال، يحتاج إلى وعي يضبط اندفاعه ويحفظ توازنه؛ فالمبالغة في التعلّق قد تستنزف الطاقة، وتحجب عن المرء رؤية بعض الحقائق بوضوح، ومن النضج أن يعرف الإنسان كيف يصون ما يحبّ، فكلّ ما يسكن القلب يحتاج إلى بصيرةٍ ترشده، حتى تظلّ المحبة مصدر بناءٍ واتساع.
وتكمن حقيقة الشغف في قدرة الإنسان على معرفة ما يثير دهشته، ويستوقف فكره، ويدفعه إلى العودة وتكرار المحاولة، وكلّها إشاراتٌ تعينه على اكتشاف ما ينسجم مع روحه. وقد يقضي المرء سنواتٍ يؤدي أدوارًا كثيرة، ثم تأتي لحظةٌ يجد فيها ما يشبهه، فيدرك أن بعض الطرق تحتاج إلى تبصر أكثر، وأن ما يستحقّ الوصول إليه قد يكون قريبًا.
إن الحياة التي تخلو من الشغف تتشابه أيامها، وتؤدَّى تفاصيلها على إيقاع الواجب، فالشغف يعيد للأشياء ألوانها، ويجعل الإنسان كلما أقبل على ما يحبّ، اكتشف في نفسه معنى جديدًا، وطاقة حب مثمرة.