يسعدني اليوم في هذا المقال أن أتحدث عن الشعراء وممارستهم لدور إعلامي في مجتمعاتهم في زمن الجاهلية، قبل ظهور الصحافة المطبوعة بقرون طويلة، وقبل اختراع الإذاعة والتلفزيون والمنصات الرقمية، فقد عرف المجتمع العربي وسيلة إعلامية امتلكت القدرة على صناعة الرأي العام، ونقل الأخبار، والتأثير في الجماهير، وتوثيق الأحداث، والدفاع عن القضايا، وهي الشعر الجاهلي، فلم يكن الشعر مجرد فن أدبي للتسلية أو التغني بالمحبوبة، بل كان مؤسسة إعلامية متكاملة تقوم بوظائف الخبر، والتحليل، والدعاية، والعلاقات العامة، وصناعة الصورة الذهنية، والتأريخ، والتوثيق، حتى إن القبيلة كانت تفرح بولادة شاعرها كما تفرح بولادة قائدها العسكري، لأن القصيدة كانت تمثل سلاحًا إعلاميًا لا يقل أثرًا عن السيف في كثير من المواقف، «المصدرـ ابن رشيق القيرواني، العمدة في محاسن الشعر وآدابه»، ويتصل علم الاجتماع بعلم النفس وبعلم الإعلام فكل العلوم تتصل ببعضها البعض في زوايا كثيرة تخص الإنسان ومداركه، وعقله، وقد اعتمد المجتمع العربي قبل الإسلام على الثقافة الشفوية بصورة كبيرة، إذ كانت نسبة القراءة والكتابة محدودة، لذلك أصبحت القصيدة وسيلة الاتصال الجماهيري الأولى بين القبائل، وكان الشاعر يلقي قصيدته في الأسواق الكبرى مثل سوق عكاظ وسوق مجنة وسوق ذي المجاز، فتنتشر بين الناس بالحفظ والرواية، ثم تنتقل من قبيلة إلى أخرى حتى تصل إلى أنحاء الجزيرة العربية، وهو ما يشبه اليوم انتشار الأخبار عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، إضافة لمهارة البلاغة والوصف وغيرها، «المصدر- الجاحظ، البيان والتبيين»، ويؤكد عدد من الباحثين أن القصيدة الجاهلية أدت وظائف إعلامية متعددة، أهمها نقل الأخبار السياسية والعسكرية والاجتماعية، والتعبير عن مواقف القبائل، والتأثير في اتجاهات الرأي العام، وبناء السمعة، والدفاع عن الهوية القبلية، وهي وظائف تتوافق مع كثير من مهام الإعلام الحديث‘ «المصدرـ عبد الله الغذامي، الثقافة التلفزيونية وسقوط النخبة».