كم نحتاج لكتابة روايات وقصص وسيناريوهات عالية الوزن والقيمة يتلوها أعمال فنية من مسلسلات وأفلام احترافية ومتميزة، لنشبع ذائقة المواطن العربي التواق لأعمال فنية تراعي الوعي والثقافة وخصوصيات المواطن السعودي أو الخليجي أو حتى العربي والإسلامي، وتشير التقديرات إلى أن صناعة السينما والتلفزيون العالمية تجاوزت قيمتها 300 مليار دولار، بينما تجاوزت إيرادات شباك التذاكر العالمية في بعض السنوات 42 مليار دولار، في حين تستثمر منصات البث الرقمي مليارات الدولارات سنوياً في إنتاج الأعمال الأصلية، إلا أن جميع هذه الاستثمارات تبدأ من صفحة بيضاء يكتب عليها السيناريست الفكرة الأولى، وتؤكد دراسات صناعة الإعلام أن جودة السيناريو تعد العامل الأكثر تأثيراً في نجاح الفيلم أو المسلسل قبل اختيار الممثلين أو المخرج أو المؤثرات البصرية، إذ إن النص القوي قادر على تحويل ميزانية متوسطة إلى عمل خالد، بينما قد يفشل أضخم إنتاج إذا افتقد إلى سيناريو متماسك، «المصدر- منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، الأكاديمية الأمريكية لفنون وعلوم الصور المتحركة، تقرير المرصد الأوروبي للسمعي البصري»، ويعد علم كتابة السيناريو أحد أهم علوم الاتصال والإعلام والفنون السردية، لأنه يجمع بين الأدب وعلم النفس والاجتماع واللغة والصورة والإيقاع والإخراج، ويحول الفكرة المجردة إلى مشاهد مرئية يمكن للمشاهد أن يعيشها ويتفاعل معها، لذلك أصبحت الجامعات الكبرى حول العالم تدرّس كتابة السيناريو كتخصص مستقل، وتمنح فيه درجات علمية وبرامج تدريبية متقدمة، «المصدر- جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، معهد الفيلم الأمريكي، اليونسكو»، بدأت جذور كتابة السيناريو قبل ظهور السينما بقرون طويلة، عندما اعتمد المسرح الإغريقي على النصوص الدرامية التي كتبها كبار الأدباء مثل إسخيلوس وسوفوكليس ويوربيديس، حيث كانت الأحداث والحوارات والمشاهد تكتب بصورة منظمة ليؤديها الممثلون أمام الجمهور، وقد أسس الفيلسوف أرسطو في كتابه «فن الشعر» المبادئ الأولى للبناء الدرامي من خلال الحديث عن الحبكة والعقدة والذروة والنهاية، وهي المبادئ التي ما زالت تؤثر في كتابة السيناريو حتى اليوم، «المصدر- كتاب فن الشعر لأرسطو، ترجمة عبد الرحمن بدوي، الهيئة المصرية العامة للكتاب»، ومع اختراع السينما في نهاية القرن 19 على يد الأخوين لوميير، كانت الأفلام الأولى قصيرةداً ولا تحتاج إلى نصوص معقدة، إذ لم تتجاوز دقيقة واحدة في كثير من الأحيان، وكانت تعتمد على تصوير مشاهد من الحياة اليومية دون حبكة درامية متكاملة، لكن سرعان ما أدرك صناع السينما أن الجمهور يبحث عن القصص، فبدأت الحاجة إلى كتابة سيناريو منظم يحدد الشخصيات والأحداث وتسلسل المشاهد، «المصدر- معهد الفيلم البريطاني، موسوعة السينما العالمية، الأكاديمية الأمريكية لفنون وعلوم الصور المتحركة»، وخلال العقدين الأولين من القرن الـ20 تطور السيناريو بصورة كبيرة مع ظهور الأفلام الروائية الطويلة، وأصبح النص يحدد مواقع التصوير، ووصف الشخصيات، وزوايا الأحداث، وتسلسل المشاهد، مما أدى إلى ظهور مهنة «كاتب السيناريو» بوصفها تخصصاً مستقلاً داخل صناعة السينما، وتشير الدراسات التاريخية إلى أن هوليوود كانت من أوائل البيئات التي نظمت هذه المهنة وأنشأت أقساماً خاصة لتطوير النصوص داخل شركات الإنتاج الكبرى، «المصدرـ معهد الفيلم الأمريكي، الجمعية الأمريكية لكتاب السيناريو»، ومع دخول السينما الناطقة عام 1927 تغيرت قواعد اللعبة بالكامل، إذ أصبح الحوار عنصراً أساسياً في السيناريو بعد أن كان الاعتماد الأكبر على الصورة والإيماءة، فازدادت أهمية الكاتب، وأصبح مسؤولاً عن رسم الشخصيات وصناعة الحوار وبناء الصراع النفسي والاجتماعي والدرامي، ويرى كثير من الباحثين أن هذه المرحلة شكلت نقطة التحول الكبرى في تاريخ كتابة السيناريو الحديث، «المصدرـ موسوعة بريتانيكا، معهد الفيلم البريطاني، الأكاديمية الأمريكية لفنون وعلوم الصور المتحركة»، وفي خمسينيات وستينيات القرن الماضي ظهرت مدارس جديدة في كتابة السيناريو، كان لكل منها فلسفتها الخاصة، فقد ركزت المدرسة الأمريكية على الحبكة المحكمة والإيقاع السريع والصراع الواضح، بينما اهتمت المدرسة الإيطالية الواقعية بعرض حياة الناس اليومية ومشكلاتهم الاجتماعية بعد الحرب العالمية الثانية، في حين ركزت المدرسة الفرنسية على التجريب وكسر القواعد التقليدية، أما المدرسة اليابانية فاشتهرت بالبعد الإنساني والرمزية والاهتمام بالتفاصيل النفسية للشخصيات، «المصدر- معهد الفيلم البريطاني، اليونسكو، كتاب «القصة» لروبرت ماكي - النسخة العربية»، ويجمع معظم خبراء السيناريو على أن النص الاحترافي يقوم على عدة عناصر رئيسة، تبدأ بالفكرة القوية، ثم الشخصية المقنعة، فالهدف الواضح، فالصراع المتصاعد، ثم العقة، فالذروة، وأخيراً النهاية التي تمنح المشاهد شعوراً بالإشباع أو الدهشة أو التأمل، ويؤكد الكاتب الأمريكي سيد فيلد أن السيناريو ليس مجرد حوار، بل هو بناء هندسي دقيق يعتمد على توازن الأحداث وتطور الشخصيات عبر الزمن، «المصدر- كتاب «أسس كتابة السيناريو» لسيد فيلد - الترجمة العربية»، وتشير دراسات علم النفس الإعلامي إلى أن المشاهد يتذكر الشخصيات التي تمر بتحولات نفسية عميقة أكثر من الشخصيات الثابتة، لذلك تحرص كبرى شركات الإنتاج على تطوير ما يعرف بـ«رحلة الشخصية»، حيث تتغير أفكار البطل وسلوكه وقيمه نتيجة الصراعات التي يواجهها، وهو ما يزيد من ارتباط الجمهور بالأحداث، «المصدرـ الجمعية الأمريكية لعلم النفس، كتاب «القصة» لروبرت ماكي»، كما أثرت المنصات الرقمية في السنوات الأخيرة على أساليب كتابة السيناريو، إذ أصبحت الحلقات أقصر زمناً وأكثر سرعة في الإيقاع، مع التركيز على جذب المشاهد منذ الدقائق الأولى، لأن الدراسات تشير إلى أن نسبة كبيرة من الجمهور تتخذ قرار الاستمرار أو التوقف عن مشاهدة العمل خلال الدقائق الأولى من الحلقة، ولهذا أصبح السيناريست مطالباً بإتقان تقنيات التشويق المستمر وبناء النهايات الجاذبة لكل حلقة، «المصدرـ تقارير نتفليكس، المرصد الأوروبي للسمعي البصري، اليونسكو»، ومن أهم صفات كاتب السيناريو المحترف امتلاك الخيال المنظم، والقدرة على تحويل الأفكار المجردة إلى مشاهد مرئية، والالتزام بالمنطق الداخلي للأحداث، إضافة إلى مهارة كتابة الحوار الطبيعي الذي يعكس شخصية كل فرد دون تكلف، كما يجب أن يتمتع بالصبر والقدرة على إعادة كتابة النص مرات عديدة، إذ تشير الدراسات إلى أن السيناريو الاحترافي قد يمر بعشرات المراجعات قبل اعتماده للإنتاج، وأن إعادة الكتابة تعد جزءاً أساسياً من صناعة السيناريو وليست دليلاً على ضعف الكاتب، ويعتمد السيناريو الحديث غالباً على البناء الدرامي المكون من 3 فصول؛ يبدأ الفصل الأول بتقديم الشخصيات والزمان والمكان وطرح المشكلة الرئيسة، ثم ينتقل الفصل الثاني إلى تصاعد الصراع وتعقيد الأحداث، بينما يقدم الفصل الثالث الحل أو النهاية التي تجيب عن الأسئلة التي طرحها العمل، ويعد هذا النموذج من أكثر النماذج استخداماً في السينما العالمية، مع وجود نماذج أخرى مثل البناء الدائري والبناء غير الخطي والسرد المتوازي، «المصدر- كتاب «أسس كتابة السيناريو» لسيد فيلد - التجمة