.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
اللجوء إلى استعمال القوّة ضدّ المحتلّ لا يكون انتصاراً إلّا إذا أدَّت المقاومة إلى دَحرِ العدوّ... أمّا مُجرّد استعمال القوّة خارج الإطار الشرعي، فضلاً عن جرّ البلاد إلى احتلال ربع أراضيها، فهذا يشكّل هزيمة مُرّة لا يُمكن تغطيتها بالديماغوجيّة الدينيّة وإعلانات النّصر الإلهي.
إنّ سلطة احتكار القوّة هي إحدى الركائز الأساسيّة لمكوّنات الدولة، سواء في القانون الدستوري أو الدولي، إضافةً إلى ركنَي الشعب والإقليم. ويُضاف إليها ركنان أساسيّان للدولة في القانون الدولي العام، هما: السيادة، وأهليّة الدولة القيام بعلاقات دوليّة.وللأسف، تتعرّض الدولة اللبنانية لانتهاك معظم هذه الأركان، ما يعرّض دستورها للخرق بسبب تصدّع كيانها، فتغدو دولة أمرٍ واقع بدلاً من دولة القانون. فبعد كلّ حرب داخلية، أو عدوانٍ خارجي، أو نزاع مسلّح، يكون المخرج دائماً بالمسّ بالعقد الاجتماعي الطوائفي السياسي اللبناني؛ وكأنّ هذا العقد جُعِل حتماً لصالح القوى التي تظنّ أنّها كسبت الحرب أو انتصرت فيها، بغضّ النظر عما يخلّفه ذلك من خسارة الدولة لكيانها وهيبتها، أو مدى مطابقة هذا الأمر للدستور.
إنّ اللجوء إلى استعمال القوّة ضدّ المحتلّ لا يكون انتصاراً إلّا إذا أدَّت المقاومة إلى دَحرِ العدوّ، وخضع استخدام السلاح لقواعد شرعيّة الدولة. أمّا مُجرّد استعمال القوّة خارج الإطار الشرعي، فضلاً عن جرّ البلاد إلى احتلال ربع أراضيها، فهذا يشكّل هزيمة مُرّة لا يُمكن تغطيتها بالديماغوجيّة الدينيّة وإعلانات النّصر الإلهي. فلم تُحرَّر فلسطين، ولم يُحرَّر الجنوب ليكون طريقاً لفتح القدس، بل دُمِّر لبنان، وأُزيلت قرى الجنوب عن الخارطة، واستُشهد الآلاف باسم قضيّة ضلّت بوصلتها. وللأسف، دنّس العدوّ أرض الجنوب المقدّسة، وهجّر أهلها، ونكّل بهم، واستباح مقدّساتهم. فلم يكن ما حصل في الحقيقة إلا انتصاراً على الدولة اللبنانية، تجلّى في القدرة الفائقة على كسر قراراتها، وتخوين رموزها، وضرب هيبتها.
إنّ الأركان الخمسة للدولة اللبنانيّة تعاني من الانتهاك، حتّى أضحى معظمها ركائزَ منقوصة. فعلى مستوى ركن "الشعب"، من المؤسف القول إنّ الشعب اللبناني ليس موحَّداً، وأنّ القاطنين على الإقليم اللبناني هم خليطٌ من المواطنين، ومن جنسيّات أخرى تستوطن الأرض بقوّة الأمر الواقع، وبات عددها يفوق عدد المواطنين اللبنانيين نفسها. والأخطر من ذلك، هو فئة من الشعب تحمل الهويّة اللبنانية لكنّها تدين بالولاء لدولٍ أخرى، سواء أكان ذلك عقائدياً، أم دينياً، أم سياسياً.أمّا ركن "الإقليم"، فجزءٌ غير يسيرٍ منه واقع تحت الاحتلال والسيطرة؛ إمّا بواسطة الجيش الإسرائيلي الذي يستبيح الأرض والجوّ والمياه، وإمّا عبر تنظيمات مسلّحة تسيطر على بقعٍ جغرافية مختلفة في البلاد. وأمّا ركن "السلطة المحتكرة للقوّة" فهو منقوصٌ أيضاً؛ إذ إنّ هناك سلاحاً خارج سلطة الدولة – أو بالأحرى ترسانة عسكرية – يفوق سلاح الشرعية قوّة، لكنّه يأتمر بأوامر دولٍ خارجية.وفيما يخصّ ركن "السيادة"، ببعديها الداخلي والخارجي، فإنّ قرار السلطة السياسيّة ليس حُرّاً في أغلب الأحيان، الأمر الذي يؤثّر سلباً على اتخاذ القرار داخل المؤسسات الدستورية. والسيادة الخارجيّة بدورها محطّ جدلٍ واسع، لا سيما وأنّ قوى سياسية أو دستوريّة تفاوض في الداخل والخارج خارج نطاق صلاحياتها، وبعيداً عن مضامين البيان الوزاري الذي يَرسُم سياسة الدولة الرسمية.ولكنّ الأخطر على الإطلاق، يكمن في ركن "أهليّة الدولة للقيام بعلاقات دوليّة"؛ إذ تتجرّأ دولٌ عنوةً على التفاوض باسم لبنان، أو التفاوض مع تنظيمات مسلّحة تُحارِبُ على أرضه عبر تهميشٍ مدلّس للدولة اللبنانية، أو حتّى بمناقشة الملفّ اللبناني مع دول أخرى، أو طلب التدخّل العسكري والسياسي في الشؤون الداخلية اللبنانية. والأغرب من هذا كلّه، هو أن تسهّل دولةٌ ما التفاوضَ بين إسرائيل و"حزب الله" – بمعزل عن مسار التفاوض الرسمي بين الدولة اللبنانية والكيان الإسرائيلي – والوصول إلى حدّ التدخّل لتغيير الهوية السياسية للبنان، عبر اقتراح تعديلات دستورية تمنح التنظيم المسلّح مقاليد الحكم الأساسية، كجائزة لأفضل مكوّن مدمّر لوطنه وبيئته.
تقتضي الأصول القانونية أنّ أيّ تنظيم مسلّح يُخالف قرارات السلطة الشرعيّة يجب أن تُتّخذ الإجراءات القانونيّة بحقّه. وإذا كان التذرّع سابقاً يدور حول مشروعيّة مقاومة الاحتلال، وأنّ البيانات الوزارية المتعاقبة قد شرّعت عملها، فإنّ شرعيّة الحكومة الحالية منبثقة أساساً من الثقة التي نالتها من المجلس النيابي بناءً على بيانها الوزاري الذي يدعو صراحةً إلى حصر السلاح بيد الدولة. والأهمّ من ذلك، أنّ "حزب الله" مُمثَّلٌ في مجلس النواب وفي الحكومة الحالية التي أقرّت حظر هذا النشاط العسكري والأمني؛ لذا، وجب محاسبته على خرقه لقرارات الشرعية التي يُعدّ جزءاً منها، ومساءلته عن الأضرار الجسيمة التي ألحقها نشاطه العسكري، سواء في ما يتعلّق بسقوط ضحايا أبرياء، أو تدمير الحواضر وتهجير أهلها، أو ضرب البنى التحتية، فضلاً عن تحميله مسؤولية التداعيات الاقتصادية الكارثية للحرب، والأهمّ ملاحقته للمشاركة في القتال إلى جانب دولةٍ أجنبيّة من على أرض لبنان ضدّ دولة أخرى.وبناءً على ذلك، فإنّ أيّ حديث عن مقايضة السلاح غير الشرعي بصلاحيات دستورية ومواقع قيادية في الدولة، ليس سوى انقلاب موصوف على الكيان، وتسليم الشرعيّة إلى قوى الأمر الواقع؛ لتصبح عندئذٍ أجهزة الدولة العسكرية والأمنيّة تابعةً لإمرة الحزب.
إنّ مسرحيّة مقايضة السلاح هذه ما هي إلّا مكافأة للحزب عبر تمكينه من وضع يده على مقدّرات البلاد الشرعية وتسليمه نظامها العسكري، فيُصبح بالتالي هو السلطة صاحبة الصلاحيّة بتشريع السِّلاح.
إنّه انقلاب عسكريّ ذو طابع دستوري، قد يجرّ البلاد إلى حربٍ أهليّة – ومن ضمنها صراعٌ سنّي شيعي – ويزيد من نقمة اللبنانيين، مثلما سيؤدّي حتماً إلى إقصاء المسيحيين وتهجيرهم من السلطة والوطن، ليتحوّل لبنان من بلد التعدّدية إلى دولة الحزب الواحد، بمشاركة صورية من بعض "أهل الذمّة" النسخة الجديدة وضعاف النفوس المتزلّفين.