في ذاكرة الأوطان مواقف لا تمحوها السنوات، وفي تاريخ العلاقات بين الدول لحظات تسقط فيها الأقنعة وتنكشف معها معادن الرجال والدول، فالوفاء لا تختبره أيام الرخاء، وإنما تكشفه الشدائد حين تضيق الخيارات وتصبح المواقف أصدق من الخطب والبيانات، ولعل المملكة العربية السعودية من أكثر الدول التي خبرت هذه الحقيقة، فقد أعطت أشقاءها من الدعم والمساندة ما يصعب حصره، لكنها حين واجهت أزماتها وجدت أن كثيراً ممن أحسنت إليهم لم يكونوا على قدر ما تقتضيه الأخوة من وفاء.
وليس الحديث هنا عن الشعوب العربية التي تجمعنا بها روابط الدين والتاريخ والمصير، وإنما عن المواقف الرسمية للدول، تلك المواقف التي لا يجوز تجميلها بالمجاملات الدبلوماسية، ولا البحث لها عن الأعذار كلما انكشف تناقضها، فالتاريخ لا يكتب النوايا، وإنما يسجل من وقف معك، ومن وقف ضدك، ومن اختار الصمت حين كان الموقف يستوجب كلمة حق، ولعل ما يضاعف مرارة الخذلان أن يأتي ممن لم تبخل عليهم المملكة يوماً بمالها أو جاهها أو ثقلها السياسي.
ولنعد إلى أزمة الخليج عامي 1990 و1991، حين اجتاح النظام العراقي الكويت وأصبحت المنطقة أمام واحد من أخطر المنعطفات في تاريخها الحديث، يومها لم تكن المملكة تدافع عن حدودها وأمنها فحسب، بل كانت تقف أمام خطر يهدد استقرار الخليج بأكمله، ومع ذلك شهدنا مواقف عربية صادمة، بين من انحاز إلى المعتدي، ومن امتنع عن تأييد المواقف الحاسمة، ومن آثر حساباته السياسية على مقتضيات الأخوة، ورغم أن دولاً عربية وقفت مع المملكة والكويت، فإن ذلك لا يمحو مرارة المواقف الأخرى، ولا يلغي حقيقة أن السعودية اكتشفت في تلك الأزمة أن القرب في الجغرافيا واللسان لا يعني بالضرورة القرب ساعة الامتحان.
والمؤلم أن تلك المواقف لم تكن حادثة عابرة طواها الزمن، فقد تكررت صورها في محطات مختلفة، وها نحن اليوم نشهد مواقف تعيد إلى الذاكرة خيبات قديمة، وكأن بعض الدول لم تتعلَّم من دروس التاريخ، أو أنها اعتادت أن تنظر إلى ما تقدمه المملكة باعتباره أمراً مسلماً به، دون أن ترى في المقابل مسؤولية أخلاقية أو سياسية تستوجب الوفاء، والأشد إيلاماً أن تتكشف هذه المواقف في أوقات تحتاج فيها المنطقة إلى الوضوح والتضامن، لا إلى الحسابات الضيقة والحياد الذي يفقد معناه حين يتعلَّق الأمر بأمن الأشقاء.
ولعل أبلغ ما يختصر هذه المفارقة حديث رجل بدوي تناول بسجيته الصافية مواقف العرب من السعودية، لم يحتج إلى لغة السياسة ولا إلى تعقيدات التحليل، وإنما استحضر ما رآه وعاشه من أزمات ومواقف، وقارن بين ما قدمته المملكة لأشقائها وما وجدته من بعضهم حين احتاجت إلى موقف واضح، وفي حديثه بساطة تحمل من المعنى ما قد تعجز عنه مقالات طويلة، فالفطرة التي تربت على الوفاء لا تستوعب أن تمد يدك لأخيك سنوات، ثم تراه يتردد في مصافحتك حين تشتد عليك الأيام، وتلك سجية البدوي الذي يرى أن المعروف دين أخلاقي لا تسقطه المصالح ولا تبدله الظروف.
والمملكة التي فتحت أبوابها للدعم والمساندة، وأسهمت في إعمار الدول ومساعدة شعوبها، وسعت إلى إطفاء الحرائق السياسية وجمع الفرقاء، لم تكن تفعل ذلك طلباً لثناء أو انتظاراً لرد الجميل، وإنما انطلاقاً من مسؤوليتها ومكانتها وقيمها الراسخة، لكنها في المقابل لم تكن تتوقع أن يقابل هذا التاريخ الطويل من العطاء بمواقف رمادية، أو أن يصبح الصمت عند بعض الأشقاء بديلاً عن الوفاء، والمفارقة أن السعودية التي اختارت طريق الدولة والاستقرار والبناء، ولم تجعل من دعم الفوضى والميليشيات وسيلة لتحقيق نفوذها، تجد نفسها أمام مواقف لا تنسجم مع ما قدمته من جهود وتضحيات من أجل أمن المنطقة واستقرارها.
وهنا ينبغي ألا يختلط الألم بالضعف، فالسعودية اليوم ليست دولة تنتظر من يحميها أو تستجدي موقفاً من أحد، إنها دولة تملك من القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية ما يجعلها قادرة على حماية سيادتها ومصالحها ومقارعة دول كبرى حين تقتضي الضرورة، وهي قبل ذلك وبعده قوية بالله، ثم بقيادتها وشعبها الذي أثبت في كل منعطف أن التفافه حول وطنه ليس شعاراً يرفع، وإنما عقيدة وطنية راسخة، فالوقوف إلى جانب المملكة العربية السعودية شرف لا يناله إلا الشرفاء، وليس فضلاً يمنّ به أحد عليها، وإن تخلَّى عنها الآخرون فلن ينقص ذلك من قوتها أو عزيمتها شيئاً، فهي ليست بحاجة إلى من يسندها بقدر ما أن هذه المرحلة تمثّل امتحاناً حقيقياً للوفاء وتمحيصاً للمواقف، تتكشف فيه معادن الدول وتسقط فيه أقنعة المجاملات، لتعرّف المملكة من وقف معها وفاءً للمبدأ، ومن تخلى عنها حين أصبحت المواقف أثمن من الكلمات.
إن ما يوجع السعوديين ليس الخوف من مواجهة التحديات، فقد واجه وطنهم ما هو أشد منها وتجاوزها، وإنما أن تأتي الخيبة ممن ظنوا فيهم خيراً، وأن يروا من استفاد من أمن المملكة واستقرارها وعطائها يتردد في الوقوف معها، أو يختار موقعاً لا يليق بتاريخ العلاقة ولا بحجم المعروف، وهذه ليست مسألة عاطفية عابرة، بل حقيقة سياسية ينبغي أن تبقى حاضرة في ذاكرة العلاقات، فالدول التي لا تحفظ المواقف في أوقات الشدة لا يصح أن تمنح الثقة ذاتها في أوقات الرخاء، وليس من الحكمة أن تبقى العلاقات أسيرة عبارات الأخوة بينما تكشف الأزمات عن واقع مختلف.
لقد آن الأوان أن تُقرأ العلاقات العربية بميزان المواقف لا ببلاغة الشعارات، وأن يدرك الجميع أن كرم السعودية ليس ضعفاً، وحلمها ليس غفلة، وحرصها على محيطها العربي لا يعني أنها لا ترى ولا تتذكر، فالأوطان الكبيرة قد تتجاوز الإساءة حرصاً على مصالح أوسع، لكنها لا تنسى الدروس التي دفعت ثمنها من أمنها وجهدها ومقدراتها، ومن حق المملكة أن تعيد تقدير علاقاتها وفق ما تكشفه التجارب، فالمواقف الصادقة هي التي تبني الثقة، لا البيانات التي تتغير بتغير المصالح.
وستبقى المملكة العربية السعودية شامخة بقيادتها وشعبها ومكانتها، لا تنتظر شهادة وفاء من أحد، ولا تستمد قوتها من مواقف الآخرين، أما الذين خذلوها بالأمس وتتكرر مواقفهم اليوم، فسيبقى التاريخ شاهداً على ما اختاروه لأنفسهم، فهذه المرحلة ليست اختباراً لقوة السعودية، وإنما مرحلة تمحيص تكشف حقيقة من حولها، وتعيد وضع كل علاقة في حجمها الطبيعي، فالمملكة تعرف قدر نفسها وتملك أسباب قوتها، وما يؤلمها ليس عجزها عن مواجهة التحديات، وإنما أن تأتي الرياح من نوافذ ظلت تفتحها للأشقاء.
في ذاكرة الأوطان مواقف لا تمحوها السنوات، وفي تاريخ العلاقات بين الدول لحظات تسقط فيها الأقنعة وتنكشف معها معادن الرجال والدول، فالوفاء لا تختبره أيام الرخاء، وإنما تكشفه الشدائد حين تضيق الخيارات وتصبح المواقف أصدق من الخطب والبيانات، ولعل المملكة العربية السعودية من أكثر الدول التي خبرت هذه الحقيقة، فقد أعطت أشقاءها من الدعم والمساندة ما يصعب حصره، لكنها حين واجهت أزماتها وجدت أن كثيراً ممن أحسنت إليهم لم يكونوا على قدر ما تقتضيه الأخوة من وفاء.