الربحليون أرواحٌ مغايرة، لا تستقيم قراءتها بمقاييس الناس المعتادة، لأنها أرفع من أن تختصرها هيئة، وأعمق من أن تستوعبها الكلمات، أرواحٌ تشبه الربحلة في هدوئها ونقائها، تنبت بعيدًا عن الضجيج، وتزهر دون أن تطلب عينًا تراقبها، أو صوتًا يمدحها، أو مجلسًا يعلن عن حضورها، وحين تقترب منها، تدرك أن للجمال مراتب، وأن أرفعها ذلك الجمال الذي لا يسكن الملامح وحدها، بل يستقر في الجوهر، جمالٌ لا يتكلف الظهور، ولا يحتاج إلى شاهد، ولا يطلب من الناس شهادةً عليه، والإنسان النبيل كذلك؛ لا يرفع نفسه، لأن قدره يرفعه، ولا يتحدث طويلًا عن أخلاقه، لأن أخلاقه تتحدث عنه، لا يزاحم أحدًا على مكانة، ولا يمد يده إلى الضوء، ولا يحوّل فضائله إلى معرضٍ عام، فهو يعرف أن بعض الأشياء كلما أُعلنت، نقص من جلالها بقدر ما زاد من ضجيجها، هو الذي إذا قدر عفا، وإذا أُعطي شكر، وإذا أُسيء إليه لم ينحدر إلى مستوى الإساءة؛ لا لأن الضعف يمنعه، بل لأن نفسه أرفع من أن تستمد قوتها من الانتقام. يرى الناس بعينٍ واسعة، ويحفظ للغائب حرمته، وللقريب حقه، وللضعيف كرامته، ولا يبدّل أخلاقه بتبدّل الأشخاص؛ فالأخلاق عنده مبدأٌ لا مصلحة، وسجيةٌ لا صفقة، وثباتٌ لا يتغير بتغير المواقع، ولعل أبلغ ما في النفوس النبيلة أنها لا تشعر بنبلها؛ فالتواضع عندها ليس هيئةً مؤقتة، ولا سلوكًا يُستدعى عند الحاجة، بل طبيعةٌ راسخة، كأن الخير فيها أقدم من المعرفة، وكأن الطيبة لم تتعلمها من أحد، وإنما جاءت معها يوم جاءت إلى الحياة، تلك هي الأرواح التي تشبه الربحلة؛ جميلةٌ دون استعراض، نقيّةٌ دون ادّعاء، هادئةٌ دون ضعف، عميقةٌ دون تعقيد، كريمةٌ دون انتظار، وحاضرةٌ دون أن تفرض حضورها، وكلما عرفتَها أكثر، أدركتَ أن أصدق الجمال ليس ما يخطف العين من أول نظرة، بل ما يتسلل إلى الروح على مهل، ثم يستقر فيها حتى يصبح من الصعب أن تنساه، فالربحليون لا يلفتون النظر لأنهم يبحثون عنه؛ بل لأن في أرواحهم شيئًا لا تستطيع العين أن تراه من بعيد، ثم لا تملك الروح بعد القرب منه إلا أن تعترف به، إنهم أولئك الذين يمرون في حياتك هادئين، ثم تكتشف بعد زمن أن أثرهم كان أعمق من ضجيج كثيرين، وأن بعض البشر لا يدخلون حياتك ليملؤوا مكانًا، بل ليتركوا فيها معنى، وإذا كان للربحلة سرٌّ في جمالها، فلعل سرّها أنها لا تعرف أنها جميلة؛ وكذلك بعض البشر، أجمل ما فيهم أنهم لم يتعلموا النبل متصفيق الناس، بل حملوه في فطرتهم، ومضوا به في الحياة كأنهم لم يفعلوا شيئًا، وهؤلاء، في زمنٍ صار فيه الظهور قيمةً، والاستعراض فضيلةً عند البعض، والحديث عن الذات تجارةً، يظلون استثناءً نادرًا يذكّرنا بأن أرفع الجمال ما استغنى عن الإعلان، وأصدق النبل ما لم يشعر صاحبه أنه نبيل، وأبقى الأثر ما صُنع في الخفاء ثم بقي في قلوب الناس، تلك هي الأرواح التي تشبه الربحلة: لا تضجّ كي تُرى، ولا تتزيّن كي تُعجب، ولا تنحني للضوء كي يصفق لها أحد، يكفيها أنها نبتت طيبة، وعاشت كريمة، ومضت من الدنيا تاركةً خلفها عطرًا لا يُرى، لكنه لا يُنسى، فالربحلة لا تحتاج إلى أن تقول: انظروا إليّ، يكفي أنها نبتت كما أراد الله لها أن تنبت، وكذلك النفوس النبيلة، لا تعلن عن قدرها، فالأصل الطيب تفضحه آثاره، ولو أخفى صاحبه نفسه عن الضوء.
الربحليون أرواحٌ مغايرة، لا تستقيم قراءتها بمقاييس الناس المعتادة، لأنها أرفع من أن تختصرها هيئة، وأعمق من أن تستوعبها الكلمات، أرواحٌ تشبه الربحلة في هدوئها ونقائها، تنبت بعيدًا عن الضجيج، وتزهر دون أن تطلب عينًا تراقبها، أو صوتًا يمدحها، أو مجلسًا يعلن عن حضورها، وحين تقترب منها، تدرك أن للجمال مراتب، وأن أرفعها ذلك الجمال الذي لا يسكن الملامح وحدها، بل يستقر في الجوهر، جمالٌ لا يتكلف الظهور، ولا يحتاج إلى شاهد، ولا يطلب من الناس شهادةً عليه، والإنسان النبيل كذلك؛ لا يرفع نفسه، لأن قدره يرفعه، ولا يتحدث طويلًا عن أخلاقه، لأن أخلاقه تتحدث عنه، لا يزاحم أحدًا على مكانة، ولا يمد يده إلى الضوء، ولا يحوّل فضائله إلى معرضٍ عام، فهو يعرف أن بعض الأشياء كلما أُعلنت، نقص من جلالها بقدر ما زاد من ضجيجها، هو الذي إذا قدر عفا، وإذا أُعطي شكر، وإذا أُسيء إليه لم ينحدر إلى مستوى الإساءة؛ لا لأن الضعف يمنعه، بل لأن نفسه أرفع من أن تستمد قوتها من الانتقام. يرى الناس بعينٍ واسعة، ويحفظ للغائب حرمته، وللقريب حقه، وللضعيف كرامته، ولا يبدّل أخلاقه بتبدّل الأشخاص؛ فالأخلاق عنده مبدأٌ لا مصلحة، وسجيةٌ لا صفقة، وثباتٌ لا يتغير بتغير المواقع، ولعل أبلغ ما في النفوس النبيلة أنها لا تشعر بنبلها؛ فالتواضع عندها ليس هيئةً مؤقتة، ولا سلوكًا يُستدعى عند الحاجة، بل طبيعةٌ راسخة، كأن الخير فيها أقدم من المعرفة، وكأن الطيبة لم تتعلمها من أحد، وإنما جاءت معها يوم جاءت إلى الحياة، تلك هي الأرواح التي تشبه الربحلة؛ جميلةٌ دون استعراض، نقيّةٌ دون ادّعاء، هادئةٌ دون ضعف، عميقةٌ دون تعقيد، كريمةٌ دون انتظار، وحاضرةٌ دون أن تفرض حضورها، وكلما عرفتَها أكثر، أدركتَ أن أصدق الجمال ليس ما يخطف العين من أول نظرة، بل ما يتسلل إلى الروح على مهل، ثم يستقر فيها حتى يصبح من الصعب أن تنساه، فالربحليون لا يلفتون النظر لأنهم يبحثون عنه؛ بل لأن في أرواحهم شيئًا لا تستطيع العين أن تراه من بعيد، ثم لا تملك الروح بعد القرب منه إلا أن تعترف به، إنهم أولئك الذين يمرون في حياتك هادئين، ثم تكتشف بعد زمن أن أثرهم كان أعمق من ضجيج كثيرين، وأن بعض البشر لا يدخلون حياتك ليملؤوا مكانًا، بل ليتركوا فيها معنى، وإذا كان للربحلة سرٌّ في جمالها، فلعل سرّها أنها لا تعرف أنها جميلة؛ وكذلك بعض البشر، أجمل ما فيهم أنهم لم يتعلموا النبل متصفيق الناس، بل حملوه في فطرتهم، ومضوا به في الحياة كأنهم لم يفعلوا شيئًا، وهؤلاء، في زمنٍ صار فيه الظهور قيمةً، والاستعراض فضيلةً عند البعض، والحديث عن الذات تجارةً، يظلون استثناءً نادرًا يذكّرنا بأن أرفع الجمال ما استغنى عن الإعلان، وأصدق النبل ما لم يشعر صاحبه أنه نبيل، وأبقى الأثر ما صُنع في الخفاء ثم بقي في قلوب الناس، تلك هي الأرواح التي تشبه الربحلة: لا تضجّ كي تُرى، ولا تتزيّن كي تُعجب، ولا تنحني للضوء كي يصفق لها أحد، يكفيها أنها نبتت طيبة، وعاشت كريمة، ومضت من الدنيا تاركةً خلفها عطرًا لا يُرى، لكنه لا يُنسى، فالربحلة لا تحتاج إلى أن تقول: انظروا إليّ، يكفي أنها نبتت كما أراد الله لها أن تنبت، وكذلك النفوس النبيلة، لا تعلن عن قدرها، فالأصل الطيب تفضحه آثاره، ولو أخفى صاحبه نفسه عن الضوء.
الجزيرة صحيفة سعودية يومية تصدر عن مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر ومقرها العاصمة الرياض.
أسسها الشيخ عبدالله بن خميس وصدر عددها الاول كمجلة شهرية في أبريل 1960م.