الرياض تفتح الطريق أمام لقاء ترامب وشي جين بينج – صبحي شبانة

هل يمكن وصف الحالة التي آلت إليها الأوضاع الآن بين الولايات المتحدة وإيران بأنها حالة «لا حرب ولا سلم»، أم أن هذه المقولة لم تعد قادرة على استيعاب وتشخيص حجم التوتر المتصاعد بين الطرفين، بعدما انتقل الاشتباك من مجرد حدود الرسائل السياسية المتبادلة، وما يتبعها من تصعيد دبلوماسي وضغوط وعقوبات اقتصادية متراكمة، إلى مستويات أكثر حساسية وخطورة تمثلت في المناوشات البحرية والتحركات العسكرية التي تقترب بشكل متزايد من خطوط الملاحة الحيوية في المنطقة، وصولًا إلى محيط الموانئ الإيرانية ومضيق هرمز، الذي يُعد واحدًا من أهم الشرايين الاستراتيجية لحركة الطاقة والتجارة في العالم؟ أم أن المنطقة برمتها دخلت بالفعل مرحلة أشد تعقيدًا وتشابكًا يمكن وصفها بـ»الفوضى المحسوبة»، حيث لا ترغب واشنطن في الانزلاق إلى حرب شاملة مكلفة سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، بينما لا تستطيع طهران في المقابل التراجع الكامل أو القبول بالضغوط دون أن تخسر جزءًا مهمًا من صورتها الإقليمية ومكانتها السياسية وأدوات نفوذها في محيطها الحيوي؟

وبين هذا وذاك، هل يقف إقليم الشرق الأوسط اليوم على حافة اشتعال دائم ومفتوح على احتمالات متعددة، قد لا تقتصر تداعياته على الإقليم وحده، بل تمتد بصورة مباشرة إلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية، بما يجعل أي تصعيد إضافي حتى لو كان محدودًا قادرًا على إعادة تشكيل موازين الاستقرار العالمي بأكمله؟.

المشهد الحالي لم يعد مجرد أزمة عابرة يمكن احتواؤها بالتصريحات أو الوساطات التقليدية، بل أصبح انعكاسًا لصراع طويل على النفوذ وإعادة تشكيل موازين القوة في الشرق الأوسط. الولايات المتحدة تدرك أن أي تراجع أمام إيران سيُفسر باعتباره إضعافًا لنفوذها في المنطقة، وإيران بدورها ترى أن الصمود في وجه الضغوط الأمريكية يمثل مسألة مصير سياسي واستراتيجي، خصوصًا بعد سنوات طويلة من العقوبات والعزلة ومحاولات الاحتواء، لذلك تبدو العلاقة بين الطرفين وكأنها تسير فوق حافة الهاوية؛ تصعيد محسوب، ورسائل قوة متبادلة، ومناوشات لا تصل إلى الحرب الكبرى لكنها أيضًا لا تسمح بعودة الاستقرار الحقيقي.

الأخطر أن هذه المواجهة لم تعد أمريكية – إيرانية فقط، بل تحولت إلى ملف دولي تتداخل فيه حسابات الصين وروسيا وأوروبا ودول الخليج، الأمر الذي يجعل أي خطأ في الحسابات قادرًا على دفع العالم إلى أزمة اقتصادية وجيوسياسية واسعة النطاق، فالمناوشات التي حدثت في محيط الموانئ الإماراتية، وما رافقها من تهديدات للملاحة في الخليج، حملت رسالة واضحة مفادها أن أمن الطاقة العالمي بات جزءًا من أدوات الضغط المتبادل، وأن الخليج لم يعد مجرد ساحة إقليمية للصراع، بل أصبح نقطة ارتكاز في معادلة الاقتصاد الدولي بأكمله.

إيران تدرك جيدًا أن قوتها لا تكمن في قدرتها على خوض مواجهة عسكرية تقليدية مع الولايات المتحدة، بل في قدرتها على تهديد استقرار المنطقة وتعطيل جزء من حركة الطاقة العالمية إذا شعرت بأنها تُدفع نحو مواجهة وجودية، ولهذا تحولت الممرات البحرية، وعلى رأسها مضيق هرمز، إلى ورقة استراتيجية شديدة الحساسية، لأن العالم كله تقريبًا يمر عبر هذا المضيق، أي اضطراب فيه ينعكس فورًا على أسعار النفط وأسواق المال والتأمين البحري وسلاسل الإمداد، ولهذا يكفي أحيانًا مجرد تصعيد محدود أو حادث أمني صغير حتى ترتفع أسعار الطاقة عالميًا وتدخل الأسواق في حالة توتر.

في المقابل، تبدو الولايات المتحدة وكأنها تحاول إدارة الأزمة أكثر من سعيها إلى حسمها، فالإدارة الأمريكية تدرك أن الدخول في حرب شاملة مع إيران قد يفتح أبوابًا لا يمكن السيطرة عليها، ليس فقط عسكريًا، بل اقتصاديًا وسياسيًا أيضًا، العالم اليوم مختلف عن عالم الحروب التقليدية السابقة؛ الاقتصاد العالمي هش، والتضخم يضغط على الحكومات، وأسواق الطاقة لم تتعافَ بالكامل من آثار الأزمات المتلاحقة منذ جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية، لذلك فإن أي حرب واسعة في الخليج ستكون مكلفة للجميع، بما في ذلك واشنطن نفسها.

ومن هنا تبدو حالة «الشد والجذب» الحالية وكأنها سياسة مقصودة من الطرفين؛ واشنطن تريد إنهاك إيران اقتصاديًا وسياسيًا دون الانزلاق إلى حرب مباشرة، وطهران تريد استنزاف النفوذ الأمريكي ورفع تكلفة وجوده في المنطقة دون الوصول إلى مواجهة شاملة قد تهدد بقاء النظام نفسه، هذه المعادلة أنتجت واقعًا جديدًا؛ لا سلام يسمح بالاستقرار، ولا حرب تنهي الصراع، بل حالة اشتباك دائم منخفض الحدة لكنه مرتفع التأثير.

وسط هذا المشهد المعقد، تبرز الصين كلاعب رئيسي لا يمكن تجاهله، خصوصًا مع الحديث المتزايد عن زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بكين ولقائه بالرئيس الصيني شي جين بينج، هذه الزيارة لا تبدو مجرد حدث بروتوكولي أو محاولة لتحسين العلاقات الثنائية، بل تحمل أبعادًا تتجاوز ذلك بكثير، لأن الملف الإيراني بات حاضرًا بقوة في الحسابات الأمريكية – الصينية، واشنطن تدرك أن بكين تملك أوراق ضغط حقيقية على طهران بحكم العلاقات الاقتصادية والنفطية الواسعة بينهما، كما أن الصين تُعد من أكبر المستفيدين من استقرار الخليج واستمرار تدفق الطاقة دون اضطرابات.

لكن الصين، في الوقت نفسه، لا تريد انهيار إيران، كما لا تريد أيضًا انفجار حرب واسعة في المنطقة قد تهدد مصالحها التجارية ومشروع «الحزام والطريق» الذي يمر جزء كبير منه عبر الشرق الأوسط والخليج. ولهذا تبدو بكين وكأنها تحاول السير فوق خيط دقيق؛ فهي لا ترغب في خسارة إيران كشريك استراتيجي، لكنها أيضًا لا تريد تحدي الولايات المتحدة بشكل مباشر في ملف قد يهدد الاقتصاد العالمي كله.

زيارة ترامب إلى الصين تأتي في توقيت شديد الحساسية، وكأنها محاولة لإعادة ترتيب قواعد اللعبة الدولية في المنطقة، فواشنطن تدرك أن إدارة الصراع مع إيران لم تعد ممكنة فقط عبر العقوبات والوجود العسكري، بل تحتاج إلى تفاهمات أوسع مع القوى الكبرى، وفي مقدمتها الصين، كما أن بكين تدرك أن استمرار التوتر في الخليج سيؤثر على اقتصادها بصورة مباشرة، لأنها تعتمد بشكل كبير على نفط المنطقة، ولأن أي اضطراب في حركة التجارة والطاقة سيُربك خططها الاقتصادية العالمية.

لهذا فإن لقاء ترامب وشي جين بينغ قد يتحول إلى نقطة مفصلية في تحديد شكل المرحلة المقبلة، فإذا نجحت الصين في لعب دور الوسيط أو المُهدئ، فقد نشهد تهدئة تدريجية تخفف من احتمالات المواجهة، أما إذا فشلت التفاهمات الكبرى، فقد تدخل المنطقة مرحلة أكثر خطورة من الاستنزاف والتصعيد، المفارقة أن العالم بأسره أصبح رهينة لهذا التوتر، فارتفاع أسعار النفط لا يعني فقط زيادة عائدات بعض الدول المنتجة، بل يعني أيضًا ارتفاع تكاليف النقل والصناعة والغذاء والطاقة عالميًا، ما يؤدي إلى زيادة التضخم وإضعاف النمو الاقتصادي، أوروبا التي تعاني أصلًا من أزمات الطاقة تراقب بقلق، والصين تخشى على تدفق النفط، والهند تخشى ارتفاع فاتورة الاستيراد، والأسواق العالمية تتحرك بعصبية مع كل خبر يتعلق بالخليج.