.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
تعيد الحملة العسكرية الأميركية الإسرائيلية على إيران تسليط الضوء على قطاع إنتاج العتاد الحربي وتجارته حول العالم
في أعقاب المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران خلال عام 2026، انشغل العالم بحصيلة الضربات الصاروخية والخسائر العسكرية والتداعيات السياسية. لكن خلف المشهد العسكري كانت ثمة حرب أخرى تدور بصمت: حرب اقتصادية تحركها صناعة السلاح العالمية، من مصانع الصواريخ في الولايات المتحدة إلى خطوط إنتاج المسيّرات في إيران، ومن شركات الدفاع الإسرائيلية إلى الطموحات العسكرية المتنامية في الخليج العربي وتركيا.لا تستهلك الحروب الحديثة الجيوش والذخائر فقط، بل تحرك أيضاً واحدة من أكبر الصناعات وأكثرها ربحية في العالم. وفق أحدث بيانات معهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام، بلغ الإنفاق العسكري العالمي نحو 2.89 تريليون دولار عام 2025، وهو أعلى مستوى مسجل حتى الآن. وفي الوقت نفسه استحوذت الولايات المتحدة على نحو 42 في المئة من صادرات السلاح العالمية خلال الفترة 2021-2025، متقدمة بفارق كبير على فرنسا وروسيا وألمانيا والصين.
في هذه السوق الضخمة، تشكل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا واحداً من أكثر أقاليم العالم استيراداً للسلاح قياساً بعدد السكان وحجم الاقتصادات. ومع أن أوروبا أصبحت الوجهة الأولى للصادرات العسكرية الأميركية نتيجة الحرب في أوكرانيا وموجة إعادة التسلح التي تجتاح أوروبا في ضوء هذه الحرب، تبقى منطقتنا تمثّل إحدى أهم أسواق السلاح وأكثرها حساسية سياسياً واقتصادياً.لا تزال الولايات المتحدة القوة المهيمنة على تجارة السلاح العالمية. منذ عقود من الزمن تعتمد دول الخليج ومصر والأردن وإسرائيل بدرجات متفاوتة على السلاح الأميركي، سواء في المقاتلات أو أنظمة الدفاع الجوي أو الصواريخ أو أنظمة القيادة والسيطرة. لكن المواجهة العسكرية الأخيرة في المنطقة أظهرت تحوّلاً مهماً في طبيعة الطلب العسكري. في العقود الماضية كانت الصفقات الكبرى تتركز على المقاتلات والدبابات والسفن الحربية، أما اليوم فباتت الأولوية لأنظمة الدفاع الجوي والصاروخي والرادارات ومنظومات مكافحة المسيّرات.
أنظمة صواريخ باتريوت التابعة لسرب الدفاع الجوي السابع والثلاثين في الجيش الأميركي. (رويترز)
كل صاروخ أو مسيّرة تُطلِقها إيران أو أذرعها في المنطقة تعني طلباً إضافياً على الصواريخ الاعتراضية والرادارات والأنظمة الإلكترونية المرتبطة بها. ولهذا برزت شركات أميركية مثل "لوكهيد مارتن" (Lockheed Martin) و"آر تي إكس" (RTX) و"نورثروب غرومان" (Northrop Grumman) و"بوينغ للدفاع" (Boeing Defense) و"إل 3 هاريس تكنولوجيز" (L3Harris Technologies) من بين أبرز الجهات المستفيدة من تصاعد التوترات الإقليمية. ولا تقتصر الاستفادة على بيع أنظمة جديدة، بل تشمل أيضاً عقود الصيانة والتحديث والتدريب وإعادة تزويد الجيوش بالذخائر والمكونات التي تُستهلَك خلال العمليات العسكرية.في المقابل، تحتل إسرائيل موقعاً استثنائياً في اقتصاد السلاح العالمي. هي من جهة أكبر متلقٍ تراكمي للمساعدات العسكرية الأميركية منذ الحرب العالمية الثانية، ومن جهة أخرى تحوّلت خلال العقود الأخيرة إلى واحدة من أبرز الدول المصدّرة للتكنولوجيا العسكرية المتقدمة. لقد سجلت صادرات الصناعات الدفاعية الإسرائيلية مستوى قياسياً بلغ 19.2 مليار دولار في عام 2025، مدفوعة بالطلب المتزايد على أنظمة الدفاع الجوي والرادارات والمسيّرات والحرب الإلكترونية.وتحوّلت شركات مثل "الصناعات الجوية الإسرائيلية" (Israel Aerospace Industries - IAI) و"رافائيل" (Rafael) و"إلبيت سيستمز" (Elbit Systems) إلى أطراف فاعلة رئيسية في الأسواق العالمية. ومنحت المواجهة العسكرية الأخيرة في المنطقة هذه الشركات فرصة إضافية لإظهار قدراتها في ظروف قتالية فعلية. لا يمثّل نجاح أي منظومة في ساحة المعركة مكسباً عسكرياً فقط، بل يتحوّل أيضاً إلى أداة تسويقية فاعلة في سوق السلاح الدولية.وإن كانت الولايات المتحدة هي "البائع الأكبر"، تمثّل دول الخليج إحدى أهم فئات "المشترين". يعيش الخليج منذ سنوات تحت ضغط التهديدات الصاروخية والمسيّرات البعيدة المدى، سواء الآتية مباشرة من إيران أو من حلفائها الإقليميين. هذه البيئة الأمنية تدفع دول المنطقة إلى إعادة تعريف أولوياتها الدفاعية. لم يعد السؤال الأساسي كم مقاتلة تمتلك الدولة أو كم سفينة حربية في أسطولها فحسب، بل كذلك كم صاروخاً اعتراضياً لديها، وكم تستطيع منظوماتها الدفاعية أن تصمد أمام موجات متتالية من الهجمات.ولهذا أصبحت أنظمة الدفاع الجوي والرادارات وشبكات الإنذار المبكر ومكافحة المسيّرات من أسرع قطاعات الإنفاق العسكري نمواً في المنطقة. وبالنسبة إلى دول تعتمد اقتصاداتها على صادرات الطاقة والبنية التحتية الحيوية، من نافل القول إن حماية المنشآت النفطية والموانئ والمطارات تُعَدّ جزءاً أساسياً من الأمن الاقتصادي، لا من الأمن العسكري فقط.
ربما كانت المواجهة الأخيرة من أوضح الأمثلة على التحوّل الذي تشهده النزاعات الحديثة. طوّرت إيران خلال السنوات الماضية نموذجاً عسكرياً يعتمد على أعداد كبيرة من المسيّرات والصواريخ المنخفضة التكلفة نسبياً. وتُقدَّر تكلفة بعض المسيّرات الانتحارية من طراز "شاهد" (Shahed) بعشرات آلاف الدولارات، فيما قد تتجاوز تكلفة الصواريخ الاعتراضية المستخدمة لإسقاطها ملايين الدولارات، بحسب تقديرات متداولة في الدراسات الدفاعية.هذه المفارقة تظهر بوضوح في أنظمة مثل "باتريوت" (Patriot) و"ثاد" (THAAD) ومنظومات الدفاع الإسرائيلية المتطورة، إذ يمكن أن تبلغ تكلفة اعتراض هدف منخفض التكلفة أضعاف تكلفة إنتاجه الأصلية. وبذلك يصبح الاستنزاف الاقتصادي جزءاً من الاستراتيجية العسكرية نفسها. لا يُقَاس نجاح طرف ما فقط بعدد الأهداف التي يصيبها، بل أيضاً بقدرته على فرض تكاليف مرتفعة على خصمه. ولا يقتصر الأمر على بيع المنظومات الدفاعية، بل يمتد إلى شراء صواريخ اعتراضية جديدة بعد نفاد مخزوناتها، وتحديث الرادارات، وتطوير البرمجيات، وتعزيز قدرات الإنذار المبكر. ولهذا أصبحت شركات الدفاع الجوي من أكبر "المستفيدين" من النزاعات الإقليمية المعاصرة.في إيران، دفعت العقوبات الغربية المفروضة منذ عقود السلطات إلى بناء قاعدة صناعية عسكرية تعتمد بدرجة كبيرة على التصنيع المحلي. وبينما بقيت طهران متأخرة نسبياً في مجالات مثل المقاتلات الحديثة، فإنها نجحت في تطوير قدرات مهمة في إنتاج الصواريخ الباليستية والمسيّرات وغيرها. ومع مرور الوقت تحوّلت بعض هذه المنتجات إلى أدوات نفوذ خارج الحدود الإيرانية، سواء عبر التصدير المباشر أو عبر نقل التكنولوجيا والخبرات إلى حلفاء وشركاء إقليميين. وهكذا أصبحت إيران جزءاً من اقتصاد السلاح العالمي لا فقط كـ"مشترٍ" أو "متلقٍ" للتكنولوجيا، بل أيضاً كـ"منتج" و"مصدّر" لبعض الفئات العسكرية التي أثبتت حضورها في أكثر من ساحة نزاع.