يستعرض راج باتيل وجاسون مور في كتابهما «تاريخ العالم في سبعة أشياء رخيصة.. دليل الرأسمالية والطبيعة ومستقبل الكوكب» (ترجمة وفاء يوسف) كيف صنع العالم الحديث من خلال سبعة أشياء رخيصة، وهي الطبيعة، والمال، والعمل، والرعاية، والغذاء، والطاقة، وحياة الأشخاص.لا يحمل هذا الكتاب بين طياته سرداً لتاريخ العالم كله، بل لتاريخ العمليات التي يمكن من خلالها تعليل ما يبدو عليه اليوم، ويتبين من خلال قصة هذه الأشياء الرخيصة السبعة كيف اتسعت رقعة الرأسمالية حتى أسفرت عن خرائط، يتضح فيها مدى ضآلة الجزء الذي يقع خارج نطاق نفوذ أوروبا الاستعمارية.*طفراتيشير الكتاب إلى أن الفترة الدافئة في العصور الوسطى شكلت شذوذاً مناخياً امتد من عام 950 إلى عام 1250 في شمال المحيط الأطلسي، فازدادت أعداد البشر في أوروبا، وبلغ التعداد السكاني في إنجلترا ذروته، وفاقه في سرعة النمو فائض الإنتاج الزراعي، فنهضت القرى في كل مكان، وقد أثار هذا الازدهار النسبي شهية التوسع.تعتبر الحملات الصليبية مثالاً على تلك الشهية، والحملات الصليبية هي عمليات تم التسويق لها بشكل كبير، وحشدت لها التجهيزات العسكرية لتستهدف ثروات شرق حوض البحر الأبيض المتوسط، وذلك في بداية عام 1095 م وقد صاحبت هذه الحملات حركات غزو أخرى، أثرت اثنتان منها بشكل كبير في تشكيل العالم الحديث بعد ذلك بأربعة قرون.تمثلت الحركة الأولى في الحروب التي هدفت إلى استرداد شبه جزيرة أيبيريا، حيث تقع إسبانيا والبرتغال اليوم، وقد استفاد الصليبيون من حروب الاسترداد عبر فرض الإتاوة، التي أصبحت فيما بعد إحدى سمات الرأسمالية الاستعمارية، أما الحركة الثانية، فكانت أقل وضوحاً، إذ كانت أهم سمات النظام الإقطاعي هي قدرته على مواصلة التوسع الاستيطاني الضخم، من دون الحاجة إلى سلطة مركزية، وذلك من خلال الاعتماد على استصلاح الأراضي للزراعة، والذي يمكن اعتباره أكبر أشكال الغزو.*كارثةيوضح الكتاب أن أوروبا خرجت من الفترة الدافئة في القرون الوسطى بحالة يرثى لها، وكان نقص الغذاء قد جعل الأجسام الأوروبية عرضة للإصابة بالأمراض، وحول الموت الأسود ذلك إلى كارثة تشبه نهاية العالم، إذ أباد ما يتراوح بين الثلث إلى النصف من سكان أوروبا، مستغلاً في ذلك العولمة بشكلها المعروف في القرون الوسطى، فقد أدت طرق التجارة إلى دمج آسيا وأوروبا في قارة واحدة عظمى، شكلت بؤرة للأمراض، وبمجرد أن وصل الموت الأسود إلى أوروبا تراجع النظام الإقطاعي.لم يكن الموت الأسود مجرد كارثة ديموغرافية فحسب، بل تكمن أهميته في قلبه موازين القوى في المجتمع الأوروبي، كما أن الحضارات لا تنهار بجوع الناس فحسب، ومع بداية تفشي الموت الأسود لم تنقل شبكات التبادل التجاري المرض فقط، ولم تعد ثورات الفلاحين شأناً محلياً، غدت تشكل تهديداً واسع النطاق للنظام الإقطاعي، المتعلق بالسلطة والإنتاج والطبيعة.عجل الموت الأسود في وقوع ضغط هائل على منظومة، كانت على شفير الانهيار، أصبحت أوروبا بعد الطاعون ساحة لصراع طبقي شديد، ومن هذا الوضع المتردي نشأت الرأسمالية، إذ لم تحاول الطبقات الحاكمة استعادة الفائض الاقتصادي فحسب، بل أيضاً توسعته، ومع نهاية القرن الخامس عشر كانت حروب الاسترداد قد بدأت، ما أثار مزيجاً من ديون الحرب ووعود الثراء، وكان حل مشكلة ديون الحرب يكمن في شن المزيد من الحروب، التي كان مردودها يتمثل في الربح الاستعماري، في تخوم كبرى جديدة.*مزيجتستفيد الرأسمالية من مجموعة كبيرة من علاقات صناعة الحياة وتتحكم بها، وهذه العلاقات أكبر مما يظهر في حسابات الموازنة الخاصة بالربح والخسارة، إن كل ما ينتجه الإنسان من غذاء ولباس وبيوت وأماكن عمل وطرق وسكك حديدية ومطارات وحتى الهواتف والتطبيقات تشارك في إنتاجه سائر الطبيعة.من السهل نسبياً فهم كيف تمزج الفلاحة مثلاً بين عمل البشر والتربة، وتمزج أيضاً بين كافة أنواع العمليات الفيزيائية والمعرفة الإنسانية، فالطبيعة تشترك في صناعة وول ستريت بالقدر ذاته الذي تشترك به في صناعة سوق الفلاحين، فالفصل بين البشر والطبيعة لا يصنع التاريخ، بل إنه يصنع من خلال الأشكال المتطورة والمتنوعة لكل منهما.حقق هذا الكتاب منذ صدوره ضجة كبرى في الأوساط الأكاديمية والثقافية، إذ تناول فكرة الرأسمالية من زوايا مختلفة، قطعت مع القراءات الأكاديمية المغلقة، ويربط الكتاب فكرة الرأسمالية بالطبيعة، إذ يرى المؤلفان أن استغلال الطبيعة على نحو خاطئ ومتوحش مهد المجال لاستغلال البشر.نشأت الرأسمالية على ثنائية استغلال الطبيعة والإنسان، وهو استغلال جعل من العالم عالماً رخيصاً، ففكرة الاستعمار هي التي جعلت من المال رخيصاً، بما أنها استطاعت توفيره من جماجم المضطهدين، كما جعلت الغذاء رخيصاً، بما أنها نهبت العوالم الجديدة، ودمرت الحياة الإيكولوجية فيها، كما دمرت حيوات الأفراد عبر تعزيز ثقافة العبودية والاستغلال والاضطهاد، علاوة على آثارها في جميع مناحي الحياة.*أدواريأخذنا هذا الكتاب في رحلة مع الاكتشافات الكبرى التي شهدها العالم القديم، وكيف كانت تلك الاكتشافات مدخلاً لبروز عصور دموية ومريعة، علاوة على تطرقه إلى دور الأوبئة والجوائح في بروز فكرة الاستعمار بشكلها الحالي، ويمكن القول إن هذا الكتاب من أبرز الكتب التي تؤرخ للعالم من منظور مختلف ومتحرر من التحيزات والمركزية الأوروبية التي سادت في أغلب البحوث الأكاديمية.