رحيل جوليتا حيدر.. عالمة المعنى التي عبرت حدود التخصصات

فقدت الأوساط الأكاديمية والثقافية في المكسيك وأمريكا اللاتينية الباحثة وعالمة السيميائيات جوليتا حيدر، التي رحلت في الثالث من أغسطس الجاري عن 81 عاماً، بعد مسيرة علمية امتدت لأكثر من خمسة عقود، وتركزت أعمالها في تحليل الخطاب، وسيميائيات الثقافة، والتعقيد، والعبر- تخصصية، ودراسة إنتاج المعنى.ولدت حيدر في ساو باولو بالبرازيل، في 10 نوفمبر 1944، وتنحدر من جذور عربية، قبل أن تصبح المكسيك المركز الرئيسي لمسيرتها العلمية والأكاديمية. وارتبط الجزء الأكبر من حياتها المهنية بالمدرسة الوطنية للأنثروبولوجيا والتاريخ في المكسيك، حيث عملت أستاذة وباحثة في الدراسات العليا للأنثروبولوجيا الاجتماعية، وأسهمت في تطوير خط بحث يجمع تحليل الخطاب وسيميائيات الثقافة، إلى جانب نشاطها في التدريس والإشراف العلمي وتكوين أجيال من الباحثين.وتعد جوليتا حيدر من الباحثات اللواتي أسهمن مبكراً في إدخال أعمال عالم السيميائيات الروسي يوري لوتمان، وسيميائيات الثقافة إلى الوسط الأكاديمي المكسيكي منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن تطور على مدى عقود مشروعاً معرفياً جمع تحليل الخطاب وسيميائيات الثقافة، ثم انفتح على التعقيد والعبر- تخصصية والإبستمولوجيات النقدية.*الخطاب وإنتاج المعنىانطلقت أبحاث جوليتا حيدر من دراسة الخطاب بوصفه ممارسة اجتماعية وتاريخية لا يمكن تفسيرها من خلال الكلمات والبنية اللغوية وحدهما. فالخطاب، وفق هذا التصور، يرتبط بالفاعلين، والمؤسسات، وبالشروط الاجتماعية والتاريخية والثقافية، التي ينتج داخلها، كما تتداخل في تكوينه الأيديولوجيا، وعلاقات السلطة، وعمليات إنتاج المعنى وتداوله.ويظهر هذا الاتجاه في كتابها «الخطاب النقابي وعمليات التشيؤ: بروليتاريا النسيج في بويبلا من 1960 إلى 1970»، الذي درست فيه الخطاب النقابي لعمال صناعة النسيج في ولاية بويبلا المكسيكية، وربطت تحليل الخطاب بالسياقات الاجتماعية والتاريخية والأيديولوجية التي أنتجته.وفي دراستها «الماديات الخطابية: مشكلة متعددة التخصصات»، وسعت الكاتبة الراحلة مجال التحليل من خلال مفهوم «الماديات الخطابية»، بحيث لا يعود معنى الخطاب محصوراً في بنيته اللفظية، وإنما يُدرس من خلال مستويات متعدّدة تتفاعل داخله، وفق طبيعة الموضوع وسؤال البحث.وشكلت دراستها «الممارسات الثقافية بوصفها ممارسات سيميائية -خطابية» محطة مهمة في هذا المسار؛ إذ انتقلت من النظر إلى الثقافة باعتبارها سياقاً يحيط بالخطاب، إلى التعامل مع الممارسات الثقافية نفسها باعتبارها مجالاً لإنتاج المعنى، تتداخل فيه الكلمات والصور والرموز والممارسات والعلاقات الاجتماعية.احتلت سيميائيات الثقافة موقعاً مهماً في مشروع الكاتبة، ولاسيما من خلال حوارها مع أعمال يوري لوتمان. وتشير في أحد أبحاثها المتأخرة إلى أنها كانت من أوائل الباحثين الذين أدخلوا دراسة أعمال لوتمان وسيميائيات الثقافة إلى المكسيك في مطلع ثمانينيات القرن العشرين.وأتاح مفهوم «السيميوسفير» توسيع دراسة الثقافة باعتبارها فضاء تتفاعل داخله أنظمة متعددة من العلامات والرموز والنصوص. ولم يكن اهتمامها بهذه المفاهيم نظرياً فقط، بل انصب جانب مهم من مشروعها على كيفية تحويل المفاهيم الواسعة إلى أدوات قابلة للاستخدام في التحليل الفعلي للظواهر الثقافية والخطابية.ومن هنا تطورت لديها فكرة «الممارسات السيميائية - الخطابية»، التي أصبحت إحدى العلامات المميزة لمشروعها؛ فالخطاب بقي حاضراً في التحليل، لكنه أصبح جزءاً من بنية أوسع لإنتاج المعنى داخل الثقافة.*من التعقيد إلى العبر- تخصصيةاتسع مشروع حيدر لاحقاً باتجاه نظريات التعقيد، وخصوصاً فكر إدغار موران. وأصبح السؤال لا يتعلق بتعدد العناصر التي تدخل في إنتاج المعنى فقط، وإنما بالعلاقات المتبادلة التي تربط بينها؛ فالخطاب يرتبط بالثقافة والتاريخ والذات والسلطة، والثقافة تضم أنظمة متعددة من العلامات، والمعنى يتشكل نتيجة تفاعل مستويات يصعب اختزال أحدها إلى الآخر.ومن التعقيد اتجهت حيدر بصورة أكثر وضوحاً نحو «العبر-تخصصية»، مستفيدة من الحوار مع أعمال باساراب نيكوليسكو، وغيرها من المرجعيات. وهنا تجاوز السؤال مجرد التعاون بين تخصصات مختلفة إلى البحث في إمكانية بناء معرفة تستطيع عبور الحدود التقليدية بينها عندما تكون الظاهرة المدروسة نفسها أكثر تعقيداً من أن يستوعبها تخصص واحد.وللكاتبة الراحلة أعمال كثيرة لافتة مثل: كتاب «مناظرة مجلس طلاب الجامعة وإدارة الجامعة: دوامة الحجج والانفعالات»، حيث درست الحجاج بوصفه عملية لا تتشكل من الحجج العقلية وحدها، وإنما تتداخل فيها كذلك الأبعاد الانفعالية والخطابية.ويكشف هذا العمل جانباً مهماً من مشروعها؛ إذ كانت تبحث باستمرار عن المستويات التي قد يسقطها التحليل عندما يختزل الظاهرة في عنصر واحد، سواء كان اللغة، أو الحجةن أو البنية، أو السياق.وطورت حيدر مشروعها حتى سنواتها الأخيرة. ففي دراسة نشرتها عام 2024 بعنوان «مجال تحليل الخطاب من منظور التعقيد والعبر-تخصصية»، قدمت صيغة متقدمة لنموذجها النظري والمنهجي، وربطت تحليل الخطاب بسيميائيات الثقافة من خلال التعقيد والعبر-تخصصية. ووضعت في هذه المرحلة ستة اتجاهات إبستمولوجية في حوار مشترك: الإبستمولوجيات الأسلافية، والتعقيد، والعبر-تخصصية، و«التفكيك الاستعماري»، و«إبستمولوجيا الجنوب»، و«المادية المعاد النظر فيها». واتسع بذلك سؤالها من دراسة إنتاج المعنى إلى مساءلة إنتاج المعرفة نفسها، وحدودها، والأنظمة التي تمنح بعض أشكال المعرفة شرعيتها وتهمش أشكالاً أخرى.*أكثر من خمسة عقودلم يقتصر حضور جوليتا حيدر على التأليف والبحث، فقد ارتبط اسمها بالتدريس، وتكوين الباحثين، وتنظيم الندوات والمؤتمرات، وبناء فضاءات للحوار العلمي، كما نسقت في المدرسة الوطنية للأنثروبولوجيا والتاريخ خطاً بحثياً عابراً للتخصصات في تحليل الخطاب وسيميائيات الثقافة.وامتدت علاقاتها العلمية خارج المكسيك وأمريكا اللاتينية، وشاركت في لقاءات ومشروعات علمية دولية، وظلت حاضرة في مجالات السيميائيات والتعقيد والعبر- تخصصية حتى المرحلة الأخيرة من حياتها.وتكشف أعمالها الممتدة على عقود عن مشروع معرفي ظل يتوسع باستمرار: من الخطاب والأيديولوجيا والمجتمع، إلى الماديات الخطابية والممارسات الثقافية، ثم سيميائيات الثقافة، والتعقيد، والعبر- تخصصية، وصولاً إلى الإبستمولوجيات النقدية وأسئلة المعرفة المعاصرة.ويبقى إرث جوليتا حيدر في مؤلفاتها وأبحاثها، وفي الباحثين الذين أسهمت في تكوينهم، وفي مشروع معرفي مفتوح على القراءة والنقد والترجمة، وعلى العبور إلى لغات وثقافات جديدة.