اللحظات التاريخية لا تقاس قيمة الأحداث خلالها بقدرة المؤسسات على قراءة دلالاتها واقتناص الفرص التي قد لا تتكرر مرة أخرى، ومن هذا المنطلق يبرز سؤال مشروع.. أين كانت وزارة الثقافة المصرية من زيارة سيدة الصين الأولي الفنانة الصينية الكبيرة "بنج لي يوان" حرم الرئيس الصيني شي جين بينغ، إلى مصر؟السؤال هنا ليس عن مجاملة بروتوكولية عابرة، ولا عن تكريم لشخصية سياسية لمجرد موقعها كزوجة للرئيس، وإنما عن تكريم فنانة وأكاديمية وقيادة ثقافية صينية إرتبط اسمها بالتعليم الفني والمؤسسة والثقافة والفنون، حتي أصبحت واحدة من أبرز الشخصيات الثقافية بالصين، "بنج لي يوان" ليست فقط "السيدة الأولى في الصين" إنها فنانة صينية بارزة في مجال الغناء، حصلت على درجة الماجستير في هذا التخصص من المعهد العالي للموسيقي في بيكين، وكانت أستاذة جامعية مرموقة في هذا المجال، كما تولت رئاسة أكاديمية الفنون التابعة للدولة، وهي مؤسسة فنية وتعليمية عريقة تجمع بين الموسيقى والمسرح والفنون والثقافة، فضلًا عن كونها حملت رتبة عسكرية تعادل رتبة لواء في الجيش الصيني، أي أننا أمام شخصية جمعت في تجربتها الإستثنائية بين الفن والتعليم والقيادة والثقافة والوطنية والمؤسسة العسكرية.
وهنا تصبح المسألة أكثر أهمية بالنسبة إلى أكاديمية الفنون المصرية بإعتبارها المؤسسة الأكاديمية المصرية المتخصصة في التعليم العالي للفنون، بما تضمه من معاهد متخصصة في السينما والموسيقى والمسرح والفنون الشعبية والباليه والنقد الفني وغيرها، فماذا كان يمكن أن يعني أن تستقبل وزارة الثقفة المصرية متمثلة في قطاعها التعليمي الأكاديمي هذه الشخصية الفنية والأكاديمية الصينية في احتفالية فنية كبرى تقام في دار الأوبرا المصرية؟كان يمكن أن يكون حدثًا يتجاوز حدود التكريم الشخصي إلى رسالة ثقافية مصرية موجهة إلى الصين والعالم أجمع، كان يمكن أن تقام لها أمسية فنية وأكاديمية كبرى في قاعة سيد درويش، أو في دار الأوبرا المصرية، يحضرها أساتذة الفنون وكبار الفنانين والمثقفين ورموز مصر الفنية في مختلف المجالات، تتضمن تكريم رسمي، وحوار ثقافي بناء حول رؤيتها في مستقبل التعليم الفني، وتبادل الخبرات بين المؤسسات الفنية المصرية والصينية، وربما توقيع اتفاقيات أو برامج تعاون جديدة في مجالات السينما والموسيقى والمسرح والفنون الرقمية والذكاء الإصطناعي، وكل ذلك يرتكز بالفعل على علاقة مؤسسية قائمة، فأكاديمية الفنون المصرية كانت عضو مؤسس في التحالف الدولي للفنون الذي أطلقته "أكاديمية بكين للسينما والفنون"، وهي علاقة كان يمكن أن تتحول في هذه المناسبة إلى منصة عملية لتعميق التعاون المصري الصيني في مجال التعليم الفني، وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا.. إذا لم تستطع المؤسسات الثقافية المصرية أن تلتقط مناسبة بهذه الرمزية، فمتى تتحرك؟ وإذا كانت زيارة رئيس الصين إلى مصر قد حظيت بكل هذا الإهتمام السياسي والدبلوماسي والإعلامي وتدخل مرحلة جديدة، فأين هو البعد الثقافي والفني الذي يفترض أن يمثل القوة الناعمة المصرية؟إن وزارة الثقافة وقطاعها التعليم الأكاديمي، لا ينبغي أن ينحصر دوره في تنظيم الفعاليات المعتادة، وإنما يفترض أن تكون قادرة على إكتشاف اللحظة التاريخية وتحويلها إلى مشروع ثقافي قومي، فنحن هنا نتحدث عن ترتيب الأولويات عندما تأتي فرصة استثنائية لا تتكرر سوي مرة واحدة في العمر، فالفعاليات المحلية تتكرر، أما أن تأتي إلى مصر فنانة بهذا الوزن والثقل السياسي، تحمل في سيرتها تجربة فنية وأكاديمية وسياسية وثقافية فريدة، وأن تكون في الوقت نفسه حرم رئيس دولة كبرى تربطها بمصر علاقات استراتيجية متنامية، فهذه فرصة نادرة لاتتكرر.
كان يمكن لأكاديمية الفنون أن تقول للعالم.. نحن لا نستقبل السيدة الأولى في الصين باعتبارها زوجة رئيس الدولة فقط، وإنما نستقبلها باعتبارها رئيسة لأكاديمية الفنون الصينية، وفنانة كبيرة، ورمزًا من رموز الثقافة الصينية المعاصرة، كان يمكن أن يكون عنوان الحدث نفسه رسالة "مصر تكرّم الفن الصيني.. وأكاديمية الفنون تحتفي بإحد أبرز رموزه الفنية.بل كان يمكن أن تمتد الفكرة إلى ما هو أبعد من التكريم، إلى مشروع تعاون مصري صيني طويل المدى في التعليم الفني يستثمر علاقات البلدين، ويستفيد من التجربة الصينية المتقدمة في التكنولوجيا والفنون الرقمية، ويمنح طلاب وأساتذة أكاديمية الفنون المصرية فرصة حقيقية للتواصل مع المؤسسات الفنية الصينية.إن أخطر ما في الأمر ليس التكريم في حد ذاته، بل الأخطر هو أن لا نرى الفرصة أصلًا، فالدول لا تبني قوتها الناعمة بالصدفة، والمؤسسات الثقافية الكبرى لا تنتظر المناسبات لكي تتحرك، وإنما تصنع من المناسبات مشروعات وتأثيرًا وذاكرة.ففي الوقت الذي كانت فيه مصر تستقبل الرئيس الصيني في زيارة رسمية بالغة الأهمية، كانت هناك شخصية فنية صينية إستثنائية تقف إلى جواره فنانة.. أستاذة أكاديمية.. وسيدة الصين الأولي، فهل كان ينبغي أن تمر هذه الزيارة دون أن يكون للفن المصري، ممثلًا في أكاديمية الفنون ووزارة الثقافة بموقف ثقافي يليق بها؟هذا ليس سؤالًا عن حفل تكريم، إنه سؤال عن قدرتنا على قراءة التاريخ عندما يطرق أبوابنا، والفرص التاريخية لا تنتظر المؤسسات التي تتأخر في رؤيتها.
الدكتور هشام جمالنائب رئيس أكاديمية الفنون السابق