فى موسم ذكري الانتصار المجيد تتيقظ فى نفوسنا؛ الجيل القديم والجديد، أسئلة تجاهلناها بين الموسمين! ما معني أننا انتصرنا منذ ثلاثة وخمسين سنة تارة، فأين انتصاراتنا التالية فى ميادين الإنجاز والتقدم؟ ولماذا لا يري شبابنا اليوم فى حرب الأمس ما نراه نحن ونعتنقه؟!
إن جيلنا يتحدث بعشق وغرام عن حرب أكتوبر كأنها حدثت بالأمس القريب، أما الشباب فيتحدثون عن أسطورة لم يروها ولم يعايشوا أحداثها أوما تلاها وما صاحَبها من وقائع، يصدقون منها ما شاؤوا أن يصدقوا ويكذبون ما لا يقتنعون به؟ ولا يلامون إن فعلوا..
لمست الفجوة بين الجيلين كأوضح ما تكون خلال مشاركتي في ورشة فكرية نظمها مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية حول حرب أكتوبر والهوية الوطنية.. فجوة عميقة لم تقتصر على الأفكار والمعلومات فحسب، بل فى المشاعر ووجهات النظر عن تاريخنا العريق.. لقدورث شبابنا نيشان الانتصار كما يرث الابن كنزاً لم يشارك فى جمعه؛ يرون فى ذكري الحرب صورة صامتة معلقة على حائط مبكي أو على شاهد قبر! فإذا تحدثوا عن ذكري أكتوبر المجيد فهي تأدية واجب ورثاء لسان لا افتخار قلب.. فمن منا على حق، نحن أم هم؟
بين مهرجانات الأغاني الوطنية وأغاني المهرجانات!
تغيرت الصورة كثيراً بين فن الأمس واليوم.. وبعد أن اعتدنا التوحد مع أغانينا الوطنية فى موسم الانتصار كل عام، صار الجيل الحالي يتوحد مع قفزات القافزين فى حفلات أغاني المهرجانات؛ بيكا ورمضان وشاكوش وصاصا وشطة وغيرهم!
وإذا كانت حكاية الموسيقار بليغ حمدي؛ الذي ارتبط اسمه بأغنية «بسم الله.. الله أكبر»، نموذجاً دالاً على تفاعل الفن مع اللحظة الوطنية؛ فتروي القصة المتداولة أنه تحمس لإنتاج الأغنية، وأبدى استعداده لتحمل تكاليفها، وشاركه آخرون في العمل دون مقابل، حتى خرج اللحن سريعاً للناس ثاني أيام الحرب، وصار جزءاً من الذاكرة الغنائية للعبور.. فإن الجيل الجديد يسمعها ويتساءل فى شك هل كان هذا هو السائد أم الاستثناء؟ وهل كانت كل الأعمال تعبيراً عن إيمان أصحابها، أم تداخَلَ فيها الحماس الوطني مع توجيه الدولة ومتطلبات اللحظة السياسية؟
تشير تقديرات النقاد إلى أن الأغاني المرتبطة بالحرب بلغت نحو 77 أغنية، من بينها "عاش اللي قال" لعبد الحليم حافظ، و"على الربابة بغني" لوردة، و"أم البطل" لشريفة فاضل، التي ارتبطت تجربتها الشخصية بفقدان ابنها الشهيد؛ مقاتل طيار "سيد السيد بدير".. لم تكن هذه الأغاني مجرد ألحان، بل أفئدة نابضة بمشاعر فياضة حملت الفرح والرثاء والحماس.
غير أن أسئلة الشباب المتشككةفتحت نافذة على جانب أهملناه: لماذا حظيت الأغاني الشهيرة القادمة من القاهرة بحضور أوسع، بينما ظلت أغاني السمسمية وتراث مدن القناة أقل تداولاً؟ ولماذا نعرف بليغ حمدي وعبد الحليم حافظ أكثر مما نعرف الكابتن غزالي والريس عبده العثماني؟لقد غنت فرق مثل "ولاد الأرض" للصمود والمقاومة، وحملت السمسمية في السويس والإسماعيلية وبورسعيد أصوات البسطاء، كما في " يا دنيا سامعاني"، و"يا بيوت السويس"، و"غني يا سمسمية لتراب البندقية".. وفي هذه الأغاني الرقيقة يكمن جانب أصيل من الذاكرة الوطنية؛ جانب لا ينبغي أن تحجبه أضواء المركز أو أن تهمشه الثقافة الرسمية.. إن إنصاف تراثنا الفني ليس من بابالنوستالجيا والحنين للماضي، بل تصحيح لصورة مصر الثقافية التي لا تكتمل بالقاهرة وحدها، وإنما تتشكل من أصوات أقاليمها وتجارب أهلها الحقيقية النابعة من الألم والمكابدة والتضحية بالغالي والنفيس.
بعد الحرب، أدت السينما دوراً محورياً في تثبيت صورتها بالوجدان الشعبي، وقدمت أفلام مثل "الرصاصة لا تزال في جيبي" و"أبناء الصمت" و"الوفاء العظيم" و"حتى آخر العمر" صوراً متفاوتة للبطولة والتضحية، ثم جاءت أعمال لاحقة، مثل "الطريق إلى إيلات" لتستعيد صفحات من المواجهة..مع ذلك يسأل الشباب الآن لماذا غلبت البطولة العسكرية على تفاصيل الحياة الاجتماعية؟ أين حكايات عائلات العمال والفلاحين ممن فقدوا أبناءهم، أولئك الذين تحملوا أعباء الحرب وتبعاتها؟ لماذا نضع الضباط وكبار القادة على الرؤوس ونطوف نحتفل بهم فى الأغاني والدراما، وننسي جنوداً قاسوا ويلات الحرب وبذلوا الدماء وضحوا من أجل الوطن ولم ينتظروا شيئاً من أحد؟!
السؤال مشروع، حتى إن لم تكن كل الأفلام مطالبة بتقديم صورة شاملة للمجتمع؛ فالأعمال الفنية لا توثق الواقع بحياد كامل؛ إنها تختار زواياها وشخصياتها، وكثيراً ما تعكس التصورات السائدة عن الدولة والوطن والبطولة.. وكلما اتسعت هذه الزوايا، أصبحت الذاكرة الفنية أكثر ثراءاً وأقرب إلى تعقيد التجربة الإنسانية.
في الدراما التلفزيونية، ارتبطت الذاكرة الشعبية بأعمال مثل "دموع في عيون وقحة" و"رأفت الهجان" و"الحفار" وغيرها؛ اتخذت من عالم المخابرات والجاسوسية ساحة أخرى للصراع مع العدو، وقدمت هذه الأعمال صورة للانتصار يقوم جانب منها على الذكاء والحيلة.. جيلنا أحب هذه المسلسلات وتابعها بشغف، ورأى فيها بطولة من نوع آخر. والجيل الجديد يسأل لماذا ننجذب إلى قصص الجواسيس أكثر من انجذابنا إلى قصص الجنود المجهولين الذين دفعوا الثمن الحقيقي؟ وهل نميل للبطولة التي تمكر بالعدو أكثر من البطولة التي تأتي بالتضحية؟ ربما يعكس التساؤل تحولاً في المخيال العام، من تمجيد التضحية الجماعية للإعجاب بالنجاة الفردية وتحقيق الغرض بلا خسارة فادحة، وهو تحول يستحق التأمل لا إصدار الأحكام المتعجلة بشأنه.
إلى جانب الفن، أسهمت الكتب والمذكرات والدراسات في تشكيل فهمنا للحرب، من مذكرات المشير الجمسي، إلى دراسات جمال حمدان ومحمد حسنين هيكل، وصولاً للأعمال الوثائقية والتحليلية التي تناولت المعركة من زوايا مصرية وإسرائيلية ودولية.. صدرت "موسوعة حرب أكتوبر 1973: كيف حققت مصر الانتصار؟" عن المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، وهي إصدار وثائقي بمناسبة مرور خمسين عاماً على حرب أكتوبرمن ثلاثة مجلدات.. وكتاب "مذكرات المشير الجمسي"وكتاب: "المعارك الحربية على الجبهة المصرية" لجمال حماد، و"أكتوبر 73: السلاح والسياسة" لمحمد حسنين هيكل، و"انتصار أكتوبر في الوثائق الإسرائيلية" بإشراف ومراجعة إبراهيم البحراوي، و"إعلام الحرب بين الحقيقة والتضليل: حرب أكتوبر" لسالي عاطف فتح الله، و"مصر من ناصر إلى حرب أكتوبر" لفلاديمير فينوجرادوف، و"حرب أكتوبر 1973 بين الحقائق والأكاذيب" لمحمد قشقوش. كلها وغيرها يراها الجيل الجديد لا تكفي للإحاطة بأسرار حرب الانتصار التي لا تزال وثائق كثيرة حولها سرية! جيلنا يقرأ هذه الكتب بتقدير باعتبارها مراجعنا التي تعيد لأذهاننا ذكري المجد الخالد.. والجيل الجديد يسأل لماذا نتعامل مع هذه الكتب كأنها مقدسة؟ لماذا لا نسائلها وننقدها ونقارن بينها؟ لماذا لا نعترف بأن كل مؤرخ يختار من الأحداث ما يناسب رؤيته، وأن كل مذكرات تحكي القصة من زاوية صاحبها، لعلها زاوية قاصرة لا تري مواطن الخلل والخطأ؟
إن أخطر ما يمكن أن نفعله بتاريخنا أن نضعه فوق النقد، ثم نندهش حين يكتشف أبناؤنا روايات أخرى أو أسئلة لم نطرحها.. فالتاريخ الذي يخشى السؤال يتحول إلى خطاب مكرر ومرفوض، أما التاريخ الذي يقبل الفحص والتفسير والنقاش يظل حياً نابضاً بالحماس.