الدكتور عماد أبو الدهب يروي لـ«الفجر» ذكريات 30 يونيو.. يوم خرجتُ لأسترد مصر

لا تزال 30 يونيو بالنسبة لي واحدة من أكثر اللحظات رسوخًا في الذاكرة؛ يومٌ لم يكن مجرد تاريخ سياسي عابر، بل كان بالنسبة لنا جميعًا لحظة فاصلة شعرنا فيها أن الوطن يطلب من أبنائه أن يكونوا في الميدان، وأن يعلنوا موقفهم بوضوح دفاعًا عن الدولة المصرية وهويتها ومستقبلها.

أن أشارك في هذه اللحظة الوطنية بكل ما أملك من قناعة وإيمان، وأن أكون حاضرًا وسط الناس الذين قرروا أن يقولوا كلمتهم في وجه حكم جماعة الإخوان.

كنت قد انطلقت بالفعل نحو ميدان التحرير، باعتباره القلب النابض للمشهد كله، لكن شدة الزحام حالت دون وصولي إلى الميدان نفسه، فتوقفت في محيط فندق شيراتون، حيث كانت الشوارع ممتلئة عن آخرها، والوجوه تحمل الملامح ذاتها:

الإصرار، والقلق على الوطن، والأمل في التغيير.

لم يكن نزولي يومها بدافع الفضول أو المتابعة من بعيد، بل كان نابعًا من قناعة راسخة تكونت لديّ منذ وقت طويل.

فقد كنت منتميًا إلى الحزب الوطني سابقًا، وكنت من الأعضاء الفاعلين فيه، وشاركت في العمل العام لسنوات، ولذلك كنت أتابع المشهد السياسي بدقة، وأدرك حجم الخطر الذي تمثله حالة الارتباك التي عاشتها البلاد تحت حكم الإخوان.

كان داخلي يقين واضح بأن هذا المسار لا يمكن أن يستمر، وأن مصر أكبر من أن تُختزل في جماعة أو تُدار بمنطق الاستحواذ والإقصاء.

أذكر جيدًا أن المشهد في الشارع كان استثنائيًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى. الحشود كانت هائلة، والهتافات لا تتوقف، والناس تتحرك بإحساس جمعي نادر، كأن الجميع يعرف تمامًا لماذا خرج، وماذا يريد.

ومن أكثر الصور التي بقيت عالقة في ذهني آنذاك، ما كان يقوم به الجيش المصري من تحية للمصريين في الميادين، حين كانت الطائرات تلقي الهدايا والأعلام على المتظاهرين.

كان ذلك المشهد بالغ التأثير، لأنه منح الناس شعورًا عميقًا بالأمان، ورسالة واضحة مفادها أن الشعب ليس وحده، وأن القوات المسلحة تقف سندًا للوطن وتحمي إرادة المصريين.

في تلك الساعات، كان الإحساس العام أن مصر تدخل اختبارًا مصيريًا.

وبينما كانت السلطة آنذاك تردد حديث “الشرعية” بصورة مرتبكة، كانت الشرعية الحقيقية تتشكل على الأرض، في الشوارع والميادين، عبر ملايين المصريين الذين خرجوا ليعلنوا رفضهم ويطالبوا بإنقاذ الدولة.

لم أكن وحدي في ذلك اليوم؛ فقد كان معي عدد كبير من الزملاء والأصدقاء، من رفاق العمل العام سابقًا، كما شارك معنا بعض أعضاء هيئة التدريس من الجامعة، وكلنا كنا نتحرك بالمشاعر نفسها: الخوف على البلد، والرغبة في استعادة توازنها.

لهذا، حين أتذكر 30 يونيو، لا أتذكر فقط مشهد التظاهر، بل أتذكر يومًا استعاد فيه المصريون ثقتهم في قدرتهم على حماية دولتهم، وأثبتوا أن الوطن حين ينادي، لا يتأخر عنه أبناؤه.