تتحرك المملكة لمنع انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية مفتوحة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، في مواجهة لا يمكن التنبؤ بمآلاتها أو حدود اتساعها، ولا بحجم الخسائر التي قد تترتب عليها، وفي ظل تصاعد التوترات، وتداخل ساحات المواجهة من الخليج العربي إلى البحر الأحمر واليمن، وما يرافقها من تهديدات للملاحة الدولية وأمن الطاقة، وتتجلى أهمية الدبلوماسية السعودية في تحركها لاحتواء التصعيد، وتوسيع فرص التفاهم، وإبقاء المسارات السياسية مفتوحة، بما يحول دون انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة تتجاوز تداعياتها أطراف الصراع، وتهدد أمن الإقليم واستقراره ومصالح شعوبه، في حرب قد يصعب احتواء مساراتها أو التنبؤ بنهاياتها.
تدرك الرياض أن اندلاع حرب واسعة لن يظل محصورًا في أطرافها المباشرين، بل قد يفتح جبهات متعددة، ويهدد أمن الممرات البحرية، ويربك أسواق الطاقة والتجارة العالمية، ويضع دول المنطقة أمام تداعيات أمنية واقتصادية يصعب تقدير نهايتها، ومن هنا، تكتسب التحركات السعودية، عبر التواصل مع القوى الدولية المؤثرة وتعزيز التنسيق الإقليمي، أهمية تتجاوز إدارة الأزمات القائمة إلى محاولة منع انفجارها، في لحظة بات فيها احتواء الحرب قبل اندلاعها أكثر إلحاحًا من معالجة نتائجها بعد فوات الأوان.
إن خطورة المرحلة الراهنة لا تكمن في ارتفاع مستوى التوتر وحده، بل في تعدد مساراته، وتشابك ساحاته، واحتمال انتقاله من جبهة إلى أخرى بفعل ردود الفعل المتبادلة أو سوء تقدير الحسابات، فالمواجهة المحتملة بين واشنطن وتل أبيب وطهران لا يمكن النظر إليها باعتبارها صراعًا محدودًا بين أطرافه المباشرين، لأن تداعياتها قد تمتد إلى الخليج العربي والبحر الأحمر واليمن، كما يمكن أن تنعكس على حركة التجارة الدولية وأسواق النفط وسلاسل الإمداد، وتضع دول المنطقة أمام تحديات أمنية واقتصادية لا يمكن عزل أحدها عن الآخر، والأخطر أن الحروب الكبرى لا تسير دائمًا وفق التصورات والخطط التي تضعها الأطراف عند اتخاذ قرار المواجهة، إذ قد تبدأ بحسابات محددة، ثم تتسع بفعل ردود الفعل، وتتوالد عنها أزمات لم تكن في حسبان من أشعل شرارتها، قبل أن يصبح احتواؤها أكثر صعوبة وكلفة.
تتجاوز أهمية التحرك السعودي حدود الدبلوماسية التقليدية إلى محاولة التأثير في البيئة السياسية والإستراتيجية المحيطة بالأزمة، بما يحد من فرص الانزلاق إلى مواجهة يصعب التنبؤ بمداها أو بنتائجها، فالدول التي تدرك خطورة اللحظة لا تنتظر اكتمال الأزمة حتى تتحرك، ولا تكتفي بالتعامل مع نتائجها بعد وقوعها، بل تسعى إلى إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، وتوسيع مساحات التفاهم، وبناء المصالح المشتركة التي يمكن أن تشكل حواجز أمام التصعيد، ولا يعني ذلك أن الدبلوماسية قادرة وحدها على إزالة الخلافات العميقة أو ضمان تراجع الأطراف عن حساباتها، وإنما يعني أن ترك الأزمات لمنطق القوة وحده يضاعف احتمالات الخطأ، ويقلص فرص التسوية، ويجعل المنطقة أكثر عرضة لتطورات قد لا يملك أحد القدرة على ضبطها.
تكتسب لقاءات وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان مع نظيريه الأمريكي ماركو روبيو والروسي سيرغي لافروف وكذلك مع وزراء خارجية فرنسا وألمانيا والبرازيل واليابان، على هامش اجتماع وزراء خارجية مجموعة العشرين في أتلانتا، دلالة تتجاوز مضمون المحادثات الثنائية إلى طبيعة الدور الذي تسعى الرياض إلى ممارسته في بيئة دولية شديدة الاستقطاب، فالتواصل مع واشنطن يتيح بحث الملفات التي تتصل مباشرة بأمن المنطقة والعلاقات الإستراتيجية بين البلدين، فيما يوفر التواصل مع موسكو قناة أخرى للحوار بشأن الأزمات الإقليمية والمصالح الدولية المشتركة، وبين الطرفين تتباين الحسابات والمواقف بشأن عدد من الملفات الكبرى، لكن هذا التباين لا يلغي أهمية استمرار الاتصال، بل يزيد الحاجة إليه في مرحلة تتراجع فيها فرص التوافق الدولي، وتصبح فيها القنوات الدبلوماسية أكثر ضرورة لمنع الخلافات من التحول إلى مواجهات مفتوحة.
ويتجسد هذا الحضور الدبلوماسي في حركة نشطة يقودها وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، الذي تعكس تحركاته المتواصلة حجم الجهد السعودي المبذول على امتداد العواصم ومراكز القرار الدولية، فمن يتابع إيقاع تحركاته يدرك حجم ما تتطلبه هذه الدبلوماسية من عمل ومتابعة؛ فبين عاصمة وأخرى، ومن اجتماع دولي إلى لقاء ثنائي، تتوالى الزيارات والاتصالات بوتيرة تكاد تجعل الليل امتدادًا للنهار، وتفقد معها المسافات وفوارق التوقيت معناها المعتاد. ففي أيام قليلة، ينتقل الوزير بين عواصم ومراكز قرار دولية، حاملًا ملفات المنطقة وأولويات المملكة إلى طاولات الحوار، ومتابعًا تطوراتها مع نظرائه من مختلف القوى المؤثرة، وقد لا يكون السؤال الأهم متى يجد وقتًا للراحة، بل كيف يتيح هذا الإيقاع المتسارع حضورًا سعوديًا متصلًا في لحظة إقليمية لا تحتمل الغياب أو الانتظار.
لا ينبغي قراءة هذا التحرك باعتباره محاولة للوقوف على مسافة واحدة من جميع القوى، أو باعتباره إعلانًا عن وساطة سعودية محددة بين واشنطن وطهران، ما لم تتوافر مؤشرات واضحة على وجود مسار تفاوضي معلن، فالأدق أن الرياض تعمل على توظيف شبكة علاقاتها الدولية والإقليمية للحفاظ على فرص التواصل، والدفاع عن مصالحها الأمنية والاقتصادية، وتعزيز فرص الاستقرار في محيطها، في وقت تتطلب فيه الأزمات المتداخلة اتصالات متعددة المستويات، فالدبلوماسية الفاعلة لا تعني بالضرورة التوفيق بين جميع المواقف، وإنما تعني القدرة على مخاطبة الأطراف المؤثرة، وفهم حساباتها، وتحديد نقاط الالتقاء الممكنة، والعمل على منع الخلافات من إغلاق الأبواب أمام الحلول السياسية.