الخوف من الذكاء الاصطناعي..أسطورة

ينتمي جان غابرييل غاناسيا مؤلف كتاب «أسطورة الغرابة... هل ينبغي الخوف من الذكاء الاصطناعي؟» إلى الجيل الأكاديمي المتخصص في الذكاء الاصطناعي منذ سبعينات القرن العشرين، ولذلك، فإن كتابه لا يصدر عن خوف تقني أو رفض للتقدم العلمي؛ بل عن موقف نقدي عقلاني يسعى إلى التمييز بين البحث العلمي الحقيقي والخطابات الإعلامية المحيطة بالذكاء الاصطناعي.الكتاب الذي ترجمه إلى العربية صلاح العبد الله، لا ينكر التطور الهائل في تقنيات التعلم الآلي والخوارزميات، لكنه يرفض تحويل هذا التقدم إلى نبوءة ميتافيزيقية تتحدث عن نهاية الإنسان أو ولادة عقل آلي خارق يهيمن على العالم، ولهذا يحاول المؤلف تفكيك الأسس الفكرية والفلسفية والإعلامية التي تقوم عليها أسطورة التفرد، مبيناً أن كثيراً من هذه التصورات أقرب إلى الخيال العلمي منها إلى العلم الدقيق.*حتميةيبدأ غاناسيا بتحليل مفهوم التفرد التكنولوجي، الذي يشير إلى اللحظة المفترضة التي يصبح فيها الذكاء الاصطناعي قادراً على تجاوز الذكاء البشري وتطوير نفسه بصورة مستقلة ومتسارعة، ويرى أن هذه الفكرة انتقلت من أدبيات الخيال العلمي إلى الخطابات العلمية والإعلامية، حتى أصبحت تقدم أحياناً وكأنها مستقبل حتمي للبشرية.يشير إلى أن بعض الشخصيات المؤثرة في عالم التكنولوجيا أسهمت في نشر هذه التصورات، مثل راي كرزويل الذي توقع وصول التفرد التكنولوجي بحلول عام 2045، أيضاً نيك بوستروم الذي كتب عن أخطار الذكاء الاصطناعي الفائق وإمكان خروجه عن السيطرة البشرية، وستيفن هوكينج الذي حذر من أن الذكاء الاصطناعي قد يشكل تهديداً وجودياً للبشرية، وبيل غيتس الذي صرح بأنه لا يفهم سبب تجاهل البعض للمخاطر المحتملة للذكاء الاصطناعي على المدى البعيد، وإيلون ماسك الذي وصف الذكاء الاصطناعي بأنه أشبه باستدعاء الشيطان، محذراً من فقدان السيطرة عليه مستقبلاً، لكن غاناسيا يرى أن هذه التصورات تقدم غالباً بلغة تنبئية أقرب إلى النبوءات المستقبلية منها إلى التحليل العلمي الصارم.*تبعيةهل يمكن أن تصبح الآلات مستقلة حقاً؟ من أهم محاور الكتاب نقد فكرة استقلالية الآلات، ويشرح غاناسيا أن الأنظمة الذكية الحالية، مهما بلغت قدرتها على التعلم، تظل معتمدة على البشر في تصميم الخوارزميات، وتحديد الأهداف، واختيار البيانات، ووضع المعايير، وتفسير النتائج، فالآلة لا تمتلك إرادة ذاتية أو وعياً مستقلاً بالمعنى الفلسفي، وهي لا تستطيع أن تضع لنفسها غايات أخلاقية أو وجودية؛ بل تعمل دائماً داخل إطار يحدده الإنسان.كما يميز المؤلف بين الاستقلالية التقنية والاستقلالية الفلسفية فالسيارة ذاتية القيادة مثلاً قد تتخذ قرارات تقنية أثناء الحركة، لكنها لا تمتلك مشروعاً ذاتيا أو رغبة حرة كما يفترض بعض أنصار التفرد، ويناقش الكتاب الفروق العميقة بين الذكاء البشري والذكاء الاصطناعي، فالخوارزميات تستطيع تحليل كميات هائلة من البيانات والتعرف إلى الأنماط بدقة كبيرة، لكنها لا تملك فهماً إنسانياً للمعنى أو الخبرة أو الوعي الذاتي.ويرى غاناسيا أن الآلات لا تفكر بالمعنى الإنساني؛ بل تعالج الرموز والبيانات وفق نماذج رياضية محددة، كما يؤكد أن الإبداع البشري لا يقتصر على تركيب المعلومات؛ بل يرتبط بالخيال والوعي والتجربة الحياتية والسياق الثقافي، وهي عناصر يصعب اختزالها في الحسابات الخوارزمية.*جاذبيةيشير غاناسيا إلى أن الخطابات الكارثية حول الذكاء الاصطناعي تحقق جاذبية إعلامية كبيرة، لأنها تثير الخوف والانبهار في الوقت نفسه، ويرى أن بعض الشركات والشخصيات التكنولوجية تستفيد من هذه الخطابات في جذب التمويل والاهتمام السياسي والإعلامي، ولهذا يدعو القارئ إلى التعامل النقدي مع التنبؤات المستقبلية، وعدم الخلط بين الإنجازات الحقيقية للذكاء الاصطناعي وبين المبالغات الدعائية أو السيناريوهات السينمائية.تكمن أهمية الكتاب في أنه يدعو إلى التمييز بين التقدم العلمي الحقيقي والأساطير التكنولوجية الحديثة، فغاناسيا لا يدعو إلى رفض الذكاء الاصطناعي أو الخوف منه؛ بل إلى فهمه ضمن حدوده الواقعية، والانشغال بالقضايا الأخلاقية والاجتماعية الفعلية المرتبطة به، مثل المراقبة الرقمية، والتحكم في البيانات، والتحيز الخوارزمي، ومستقبل العمل، والسلطة التكنولوجية للشركات الكبرى، كما يحذر من تحويل التكنولوجيا إلى عقيدة خلاصية جديدة، تستخدم لتبرير الهيمنة الاقتصادية أو الإعلامية.«أسطورة الغرابة» من أهم الكتب النقدية المعاصرة حول الذكاء الاصطناعي، لأنه يواجه الخطابات المبالغ فيها بلغة علمية وفلسفية متزنة، ومن خلال تفكيكه لفكرة التفرد التكنولوجي، يوضح جان غابرييل غاناسيا أن كثيراً من المخاوف المنتشرة حول سيطرة الآلات على البشر لا تستند إلى أسس علمية قوية؛ بل إلى تصورات أسطورية وخيالية.وفي المقابل، يدعو الكتاب إلى التركيز على التحديات الواقعية الحالية للذكاء الاصطناعي، والتعامل معها بعقلانية ومسؤولية أخلاقية، بعيداً عن الهلع أو التهويل الإعلامي.*وضوححظي الكتاب بتقدير واسع باعتباره من أكثر الأعمال اتزاناً وعقلانية في نقاش الذكاء الاصطناعي، وأشاد النقاد بقدرة غاناسيا على الجمع بين المعرفة التقنية العميقة والتحليل الفلسفي والثقافي، مع تقديم خطاب نقدي واضح ضد المبالغات المنتشرة حول نهاية الإنسان، كما اعتبر الكتاب مساهمة مهمة في النقاشات الأخلاقية حول التكنولوجيا، لأنه يركز على المشكلات الواقعية الحالية بدل الانشغال المفرط بسيناريوهات خيالية بعيدة.