الخلود الرقمي.. (حين يحاول الإنسان تجاوز الموت!) – أ.د.عثمان بن صالح العامر

لم يعد طموح الإنسان المعاصر اليوم مقتصراً على إطالة عمره، أو مقاومة الشيخوخة، أو معالجة الأمراض التي تهدد وجوده، بل تجاوز ذلك إلى التفكير في صناعة نسخة رقمية من ذاته، تحتفظ بصوته وصورته وذكرياته وطريقة تفكيره، وتستطيع محاورة الأحياء بعد رحيله! إنها فكرة (الخلود الرقمي) التي أخذت تنتقل من مختبرات الذكاء الاصطناعي إلى فضاءات الفلسفة، مثيرةً سؤالاً يتجاوز حدود التقنية إلى أعماق العقيدة، حيث يتمحور السؤال حول: هل يستطيع الإنسان أن يهزم الموت، أم أنه يعيد إنتاج الوهم بأدوات أكثر تطوراً؟.

يقوم الخلود الرقمي، في بعض تصوراته، على جمع البيانات الشخصية والسجلات الصوتية والمرئية والكتابات والتفاعلات، ثم توظيف الخوارزميات لبناء شخصية افتراضية تحاكي صاحبها، حتى ليبدو للمتحدث معها أنه يحاور إنساناً ما زال حاضراً معه في هذه الحياة. وهناك تصورات أكثر جرأة تتحدث عن نقل الوعي البشري إلى وسيط إلكتروني والله يستر مما هو قادم في عالم ما يسمى بالذكاء الاصطناعي.

إن الإسلام لا ينظر إلى الإنسان بوصفه مجرد منظومة معلومات يمكن نسخها، ولا يختزل حقيقة وجوده في الذاكرة أو النشاط العصبي، بل يقرر أن الإنسان مخلوق له جسد وروح، وأن الروح من أمر الله، قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} (85) سورة الإسراء.

إن محاكاة الصوت ليست استعادة للروح، وتقليد الشخصية ليس بعثاً للإنسان، واستحضار الذكريات لا يعني عودة صاحبها إلى الحياة. فالآلة مهما بلغت دقتها تستطيع معالجة ما توافر لها من بيانات، لكنها لا تملك بذلك أن تعيد الإنسان الذي غادر الدنيا، أو أن تثبت استمرار وعيه الشخصي بعد موته. وقد حسم القرآن الكريم حقيقة الموت بوصفه سنة إلهية لا يستطيع الإنسان إلغاءها، فقال سبحانه: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}، وقال عز من قائل عليما: {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} (78) سورة النساء، وليس في هذه الحقيقة مصادرة للبحث العلمي، وإنما تحديد للفاصل بين ما يستطيع الإنسان تطويره من وسائل، وما لا يملك تغييره من حقائق الوجود.

إن العقيدة الإسلامية تقدم تصوراً مختلفاً للخلود؛ فالموت ليس فناءً مطلقاً للإنسان، وإنما انتقال من الحياة الدنيا إلى عالم البرزخ، ثم البعث والحساب والجزاء. والخلود الأخروي ليس صناعة بشرية، وإنما هو من تدبير الخالق سبحانه، قال تعالى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} (15-16) سورة المؤمنون.

إن محاكاة الموتى تثير أسئلة أخلاقية تتعلق بحرمتهم وخصوصيتهم، وحقوق أسرهم، واحتمال نسبة أقوال إليهم لم يقولوها. وإذا كانت التقنية قد أتاحت للإنسان أن يحتفظ بصورته وصوته وشيء من ذاكرته بعد رحيله، فإن السؤال الأعمق يظل متعلقاً بقيمة ما يستحق البقاء: هل الخلود في استمرار الحضور، أم في استمرار الأثر؟ وهنا ينتقل الحديث من قدرة التقنية على حفظ الذاكرة إلى قيمة العمل الذي يُحفظ من أجل نفع الناس؛ فالعقيدة الإسلامية لا تجعل امتداد أثر الإنسان مرهوناً ببقاء صورته، وإنما بما يخلّفه من خير يتجدد نفعه بعد رحيله. وفي هذا المعنى يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) (رواه مسلم). ومن هذا المنطلق، يمكن للتقنية أن تكون وسيلة لحفظ العلم النافع ونشره، وتوثيق التجارب الإنسانية الملهمة، وإحياء المبادرات الخيّرة وتوسيع دائرة المستفيدين منها، فيستمر النفع ويُرجى لصاحبه الأجر بإذن الله. وهكذا تتجلى المفارقة بين خلود رقمي يحاول استبقاء صورة الإنسان، وامتداد للأثر الصالح يجعل حضوره متجدداً بما قدّم لا بما حفظت الآلات؛ فليست العبرة بأن يبقى الإنسان حاضراً في ذاكرة الأجهزة، وإنما بأن يبقى عمله نافعاً في حياة الناس، ومأجوراً عليه عند رب الناس، دمتم بخير وإلى لقاء والسلام.

لم يعد طموح الإنسان المعاصر اليوم مقتصراً على إطالة عمره، أو مقاومة الشيخوخة، أو معالجة الأمراض التي تهدد وجوده، بل تجاوز ذلك إلى التفكير في صناعة نسخة رقمية من ذاته، تحتفظ بصوته وصورته وذكرياته وطريقة تفكيره، وتستطيع محاورة الأحياء بعد رحيله! إنها فكرة (الخلود الرقمي) التي أخذت تنتقل من مختبرات الذكاء الاصطناعي إلى فضاءات الفلسفة، مثيرةً سؤالاً يتجاوز حدود التقنية إلى أعماق العقيدة، حيث يتمحور السؤال حول: هل يستطيع الإنسان أن يهزم الموت، أم أنه يعيد إنتاج الوهم بأدوات أكثر تطوراً؟.

يقوم الخلود الرقمي، في بعض تصوراته، على جمع البيانات الشخصية والسجلات الصوتية والمرئية والكتابات والتفاعلات، ثم توظيف الخوارزميات لبناء شخصية افتراضية تحاكي صاحبها، حتى ليبدو للمتحدث معها أنه يحاور إنساناً ما زال حاضراً معه في هذه الحياة. وهناك تصورات أكثر جرأة تتحدث عن نقل الوعي البشري إلى وسيط إلكتروني والله يستر مما هو قادم في عالم ما يسمى بالذكاء الاصطناعي.

إن الإسلام لا ينظر إلى الإنسان بوصفه مجرد منظومة معلومات يمكن نسخها، ولا يختزل حقيقة وجوده في الذاكرة أو النشاط العصبي، بل يقرر أن الإنسان مخلوق له جسد وروح، وأن الروح من أمر الله، قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} (85) سورة الإسراء.

إن محاكاة الصوت ليست استعادة للروح، وتقليد الشخصية ليس بعثاً للإنسان، واستحضار الذكريات لا يعني عودة صاحبها إلى الحياة. فالآلة مهما بلغت دقتها تستطيع معالجة ما توافر لها من بيانات، لكنها لا تملك بذلك أن تعيد الإنسان الذي غادر الدنيا، أو أن تثبت استمرار وعيه الشخصي بعد موته. وقد حسم القرآن الكريم حقيقة الموت بوصفه سنة إلهية لا يستطيع الإنسان إلغاءها، فقال سبحانه: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}، وقال عز من قائل عليما: {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} (78) سورة النساء، وليس في هذه الحقيقة مصادرة للبحث العلمي، وإنما تحديد للفاصل بين ما يستطيع الإنسان تطويره من وسائل، وما لا يملك تغييره من حقائق الوجود.

إن العقيدة الإسلامية تقدم تصوراً مختلفاً للخلود؛ فالموت ليس فناءً مطلقاً للإنسان، وإنما انتقال من الحياة الدنيا إلى عالم البرزخ، ثم البعث والحساب والجزاء. والخلود الأخروي ليس صناعة بشرية، وإنما هو من تدبير الخالق سبحانه، قال تعالى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} (15-16) سورة المؤمنون.