الحوثي.. أي دين يبرر البغي وأي وطن يحتمل الخراب؟ (1-2) – د. ياسين علي محمد عزي

ما أشد وهن مشروع لا يجد لإثبات وجوده سوى تهديد حياة الآخرين، ثم يبحث في مفردات الدين عما يبرر به عدوانه!

ذلك ما خطر ببالي عقب صلاة الظهر في جازان، حين خرجنا من بيوت الله وقد أدينا فرضنا، ومضينا إلى أعمالنا وشؤون يومنا في طمأنينة أبناء وطن يعرفون قيمة الأمن، ويثقون بقوة دولتهم ويقظة مؤسساتها. دوى صوت الدفاعات الجوية، وتتابعت إشعارات التحذير من الصواريخ الحوثية.

نعم، لقد اختار المعتدي توقيت عدوانه، إلا أنه لم ولن يملك أن يملي علينا ثقافة الخطر والخوف التي جعل منها وسيلة لإرهابه؛ فسماء السعودية تحرسها قوة تعرف واجبها، وعلى أرضها شعب يعرف وطنه.

أدت الدفاعات السعودية واجبها، ومضت الحياة في مسارها، ولم يكن في أصوات الاعتراض ما يمنح الصواريخ بطولة لم تحققها، بل شهادة على دولة تحمي أهلها، وتمضي بقيادتها في بناء مستقبلها، وعلى ميليشيا إرهابية جعلت من السلاح وسيلة لإثبات وجودها، بعدما أنهكت اليمن الذي تزعم الدفاع عنه، وامتد عدوانها إلى جيرانه.

استوقفني في ذلك المشهد سؤال أعمق من الصاروخ ووجهته: كيف يبلغ الانحراف بجماعة ترفع رايات الدين أن تصوب سلاحها نحو أرض الحرمين الشريفين، وإلى مدن يؤدي أهلها صلواتهم، ويعيش فيها المواطن والمقيم والزائر آمنين؟ أي قضية تستحق أن يعرض باسمها طفل للخطر، أو يروع قاصد لعبادة، أو يعتدى على إنسان لا صلة له بحروب الجماعة وأطماعها؟ وأي معنى يبقى لنصرة المسلمين حين يصبح المسلم نفسه هدفا للسلاح؟

لم تكن تلك الصواريخ دليلا على قوة الحوثي بقدر ما كانت شهادة على فشل المشروع الذي يحكم قراراته.

فالقوة التي تهدد أرض الحرمين الشريفين وتروع الأبرياء لتعلن وجودها تعترف، من حيث لا تدري، بتفاهة مشروعها وافتقاره إلى ما يمنحه المشروعية. أما التباهي بإطلاق السلاح فلا يغير من حقيقة العدوان شيئا؛ إذ يستطيع المعتدي أن يزيف فعله فيصفه بغير حقيقته، إلا أنه يعجز عن تغيير ما اقترفته يداه من إثم.

ولعل أشد ما يستوجب مساءلة الحوثي أنه لا يكتفي بممارسة البغي، بل يسعى إلى إلباسه فضيلة دينية، وكأن حرمة الدماء تتغير بتغير الشعارات، أو أن القداسة التي يستعيرها الخطاب تستطيع أن تطهر الفعل مما خلفه من أذى.

المراقب لحال اليمن عن قرب يدرك أن اليمنيين عرفوا الإرهاب الحوثي قبل أن تبلغ صواريخه سماء المدن السعودية. عرفوه حين امتدت يد الحوثي إلى مؤسسات دولتهم، وحين صار السلاح حاضرا في تقرير مصير وطن يستحق الحياة. فعلى مدى سنوات، أخذ الحوثي يستنزف مقدرات اليمن، ويحول موارد كان ينبغي أن تخدم أبناءه إلى أدوات تعزز نفوذه المسلح. وجد اليمنيون أنفسهم أمام عصابة جعلت استمرار الصراع من أسباب بقائها، فيما مضت أعمار أجيال تحت وطأة الحروب ومرارة الفقد. ما نراه اليوم من اعتداءات آثمة على السعودية ليس سوى امتداد لبغي وجور أثقلا اليمن سنوات طويلة؛ إلا أن المملكة، بقوة دولتها ويقظة مؤسساتها، تحمي أمنها وتواصل البناء، بينما لا يزال الأشقاء اليمنيون يناضلون لاستعادة دولتهم. ومن يقرأ سيرة الحوثي في وطنه يدرك أن السؤال عن عدوانه على جيرانه لا ينفصل عن سؤال أشد إيلاما: ماذا فعل باليمن الذي يزعم الدفاع عنه؟

من داخل المشهد اليمني المؤلم، أجد أن المشروع الحوثي هو السرطان الذي أنهك جسد اليمن. فهو كالورم الخبيث الذي يقتات على موارد الجسد، فيما تتراجع عافية صاحبه. وعلى هذا النحو، تستنزف الميليشيات الحوثية مقدرات اليمن، وتحرم أبناءه من موارد كان ينبغي أن تعود عليهم بأسباب الحياة والازدهار. لم تتورع تلك الجماعة الآثمة عن الاستيلاء على مؤسسات ومقدرات أنشئت لخدمة الإنسان اليمني، وتسخير أجزاء منها لتعزيز نفوذها وتسليحها. فما كان جديرا بأن يتحول إلى تعليم وعلاج وفرص عمل أصبح وقودا لصراعات يدفع المواطنون أثمانها من حاضرهم ومستقبل أبنائهم.

غير أن الاستيلاء على المؤسسات لا يخبرنا وحده عن جسامة ما أصاب اليمن. فقد تحتفظ المؤسسة باسمها ومبناها وموظفيها، بينما تفقد الغاية التي أنشئت من أجلها. تظل الدولة حاضرة في اللافتات والخطب، إلا أن قراراتها تخضع لإرادة الجماعة المسلحة. وتتردد السيادة على ألسنة القادة، فيما يصبح المواطن عاجزا عن الاحتكام إلى نظام يحمي حقوقه من أصحاب القوة. وعندما تفقد المؤسسة استقلال قرارها، يغدو اسم الدولة غطاء لسلطة أخرى تتصرف بمقدراتها وتطلب من الناس الاعتراف بمشروعيتها. عندئذ لا تنحصر الخسارة في مبان أو خدمات حكومية تمت السيطرة عليها، بل تمتد إلى حق المجتمع اليمني في أن تدير مؤسساته شؤون حاضره ومستقبله، بعيدا عن ثقافة الخوف والخطر التي زرعتها الميليشيات الحوثية أينما حلت.

يخبرنا التاريخ بأن حروب صعدة بدأت عام 2004، وتتابعت المواجهات بين الحوثيين والدولة اليمنية قبل أن تبلغ الجماعة صنعاء في سبتمبر 2014 وتفرض سيطرتها المسلحة على العاصمة. ما جرى يومئذ أصاب العلاقة بين الدولة والمجتمع في جوهرها. فقد شارك الحوثيون في مؤتمر الحوار الوطني، ثم جعلوا السلاح حكما على ما كان اليمنيون يرجون حسمه بالتوافق السياسي. ومنذ ذلك الوقت ارتبط استرداد الدولة بحق المجتمع في مؤسسات تستمد سلطتها من النظام والمصلحة العامة، وتبقى قراراتها بمنأى عن إرادة الجماعات المسلحة. وأي مستقبل يمكن أن يطمئن إليه شعب إذا كان مصير مؤسساته معلقا بقرار قوة لا تقبل الاحتكام إلى إرادته؟

والأشد إمعانا في هذا المشروع أن الحوثي يحاول الاستيلاء على معنى الدولة بعد الاستيلاء على مؤسساتها. فهو يقدم هيمنته بلغة السيادة، ويكسو اعتداءاته بمفردات الدفاع والكرامة والمقاومة، ثم يتحدث باسم اليمن حتى تبدو إرادة الجماعة وكأنها إرادة شعب كامل. وعلى هذا المنوال، تسعى الميليشيات الحوثية إلى نقل أفعالها من موضع المساءلة إلى منزلة العمل الوطني، وإلى تصوير معارضتها بوصفها خصومة مع الوطن الذي صادرت حق أبنائه في تمثيله.

وللأسماء التي تمنحها السلطة لأفعالها أثر بالغ في وعي الناس. فاللغة السياسية قد تغير طريقة استقبال الفعل دون أن تغير شيئا من حقيقته. يسمى العدوان بطولة، وتقدم الهيمنة باعتبارها حماية، ثم تتكرر الأوصاف حتى يألفها الجمهور. ومع مرور الوقت قد تستقر الرواية في الوعي، ويتراجع السؤال عما وقع فعلا أمام الجدل حول ما ينبغي أن يسمى به. وهكذا يصبح الصراع على تسمية الحدث جزءا من الصراع على المسؤولية عنه؛ فمن يستأثر بحق التسمية يسعى إلى فرض الحكم الأخلاقي الذي يريده، قبل أن تتاح للناس فرصة مساءلة الفعل وأصحابه.

من منطلق اهتمامي بتحليل الخطاب، أرى أن أخطر ما في الرواية الحوثية ما تمارسه وتشرعنه من تحويل القيم إلى ألفاظ تمنح أصحابها حصانة لا تستحقها أفعالهم. فالكرامة لا تتحقق بكثرة الحديث عنها، والسيادة لا تصونها جماعة تصادر قرار شعبها، والمقاومة تفقد سندها الأخلاقي حين تتحول إلى اعتداء على الأبرياء. الكلمات العظيمة تكتسب شرفها من الأفعال التي تحقق معانيها في حياة الإنسان. أما حين تصبح ستارا لما يناقضها، فإن مساءلتها دفاع عن القيم التي جرى الاعتداء على أسمائها. ولهذا فإن امتحان الخطاب لا يبدأ من فخامة مفرداته، وإنما من المسافة بين ما يعد به الناس وما يوقعه بهم.