مارشال مكلوهان هو مفكر كندي وأستاذ في الأدب والاتصال، ولد عام 1911 وتوفي عام 1980، ويعد من أبرز المفكرين الذين أعادوا تشكيل طريقة دراسة الإعلام والاتصال في القرن العشرين، ارتبط اسمه بجامعة تورنتو، وبعدد من الكتب التي أصبحت مراجع أساسية في دراسات الإعلام، أبرزها «العروس الميكانيكية» عام 1951، و«المجرة غوتنبرغ» عام 1962، و«فهم وسائل الإعلام، امتدادات الإنسان» عام 1964، ولم تكن أهمية مكلوهان في أنه درس الصحافة بمعناها المهني فقط، بل في أنه نقل السؤال الإعلامي من مضمون الرسالة إلى طبيعة الوسيلة نفسها، وسأل بصورة مختلفة، ماذا تفعل الوسيلة بالإنسان والمجتمع وطريقة التفكير والتفاعل؟ وتزداد أهمية هذا السؤال اليوم في بيئة إعلامية تغيرت جذرياً، ففي عام 2026م، أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي ومنصات الفيديو، للمرة الأولى، المصدر الأكثر استخداماً للوصول إلى الأخبار عبر الإنترنت بمتوسط 54 % من الجمهور في الأسواق التي شملها تقرير الأخبار الرقمي، مقابل 51 % للمواقع والتطبيقات التابعة للمؤسسات الإخبارية، بينما يستخدم 10 % من الجمهور روبوتات المحادثة للحصول على الأخبار، وترتفع النسبة إلى 16 % لدى من هم دون الـ35، «المصدر - معهد رويترز لدراسة الصحافة، المملكة المتحدة، تقرير الأخبار الرقمي 2026»، هذه الأرقام تكشف عملياً لماذا لا تزال أفكار مكلوهان قابلة للنقاش بعد أكثر من6 عقود على صدور أهم كتبه، فالجمهور لم يغير فقط الوسيلة التي يحصل منها على الخبر، بل تغيرت معه طريقة إنتاج الخبر وتقديمه وتوزيعه والتفاعل معه، وأصبح الإعلامي يعمل في بيئة تتحكم فيها خصائص الشاشة والهاتف والمنصة والخوارزمية وسرعة الاتصال، إلى جانب المحتوى الصحفي نفسه، ولذلك ارتبط اسم مكلوهان بما يعرف في دراسات الإعلام بالحتمية التكنولوجية، وهي رؤية تركز على الدور الذي تؤديه التكنولوجيا ووسائل الاتصال في إحداث تحولات في المجتمع والثقافة وأنماط الاتصال، مع ضرورة التأكيد أن مكلوهان نفسه لم يقدم نظرية مغلقة بعنوان «الحتمية التكنولوجية»، وأن اختزال مشروعه الفكري في فكرة أن التكنولوجيا تتحكم في المجتمع بصورة آلية ومطلقة يمثل تبسيطاً لأفكاره، فمشروعه كان أكثر اتساعاً، واهتم بتأثير الوسائل في الحواس والإدراك والبيئة الاجتماعية والثقافية، «المصدر - مؤسسة مارشال مكلوهان، كندا، السيرة الفكرية وأعمال مارشال مكلوهان، 2026»، وكان المفكرالكندي هارولد إينيس من أهم المؤثرين في تكوين رؤية مكلوهان، فقد نشر كتاب «انحياز الاتصال» عام 1951، ودرس العلاقة بين وسائل الاتصال وبناء الحضارات والمؤسسات وانتقال المعرفة عبر الزمن والمكان، ورأى أن خصائص وسائل الاتصال يمكن أن تؤثر في طبيعة التنظيم الثقافي والسياسي والاجتماعي، وتأثر مكلوهان بهذا الاتجاه، لكنه وسع النقاش باتجاه الإدراك والحواس والبيئة الإعلامية، ولذلك فإن فهم الحتمية التكنولوجية عند مكلوهان يبدأ من إدراك أن الوسيلة ليست مجرد قناة محايدة تنقل المعلومات من مرسل إلى مستقبل، بل بيئة لها خصائصها الخاصة التي يمكن أن تغير تجربة الإنسان، «المصدر - هارولد إينيس، كندا، كتاب «انحياز الاتصال»، 1951»، وتعد عبارة مكلوهان الشهيرة «الوسيلة هي الرسالة» من أكثر الأفكار التي أثارت اهتمام علماء الإعلام، والمقصود بها ليس أن مضمون الرسالة بلا قيمة، وإنما أن الوسيلة نفسها تحدث آثاراً تتجاوز المحتوى الذي تنقله، فالخبر السياسي الذي يقرأه الإنسان في صحيفة ورقية لا ينتج التجربة نفسها التي ينتجها الخبر ذاته عندما يشاهده في تقرير تلفزيوني أو في مقطع فيديو قصير أو يتابعه في بث مباشر عبر منصة رقمية، لأن كل وسيلة تفرض إيقاعاً مختلفاً للمتابعة، وتستخدم الحواس بطريقة مختلفة، وتمنح الجمهور درجة مختلفة من التفاعل، وتعيد تنظيم العلاقة بين الزمن والمسافة والمعلومة، وقد أوضح مكلوهان أن الآثار الاجتماعية لوسائل الإعلام ترتبط بالمقياس والسرعة والنمط الذي تفرضه الوسيلة على حياة الإنسان، «المصدر - مارشال مكلوهان، كندا، كتاب «فهم وسائل الإعلام، امتدادات الإنسان»، 1964»، وهذه الفكرة يمكن تطبيقها عملياً في الإعلام، فعندما يكتب الصحفي خبراً لصحيفة ورقية يستطيع تقديم التفاصيل والخلفيات في مساحة نصية واسعة، بينما يحتاج الخبر التلفزيوني إلى بناء يعتمد على الصورة والصوت والتعليق، أما الخبر الموجه إلى الهاتف أو المنصات الرقمية فيحتاج إلى مراعاة سرعة التلقي والعنوان والصورة الأولى والفيديو والتفاعل، ولذلك لا ينبغي للمؤسسة الإعلامية أن تنقل المادة نفسها إلى جميع الوسائل بالطريقة ذاتها، لأن اختلاف الوسيلة يؤدي إلى اختلاف شكل الرسالة، وهنا تتحول أفكار مكلوهان من مفهوم نظري إلى قاعدة مهنية يمكن أن يستفيد منها المحرر والمراسل والمخرج وصانع المحتوى، ومن المفاهيم المهمة لدى مكلوهان أيضاً أن وسائل الإعلام تمثلامتدادات للإنسان»، فالكتاب يمثل امتداداً للذاكرة وحفظ المعرفة، والهاتف امتداداً للقدرة على الاتصال عبر المسافة، والتلفزيون وسع المجال البصري والسمعي، بينما جمع الهاتف الذكي اليوم وظائف الاتصال والتصوير والتسجيل والقراءة والمشاهدة والنشر والبث والتفاعل في جهاز واحد، وهذا التحول لم يغير الأدوات فقط، بل غير طبيعة المهنة الإعلامية نفسها، فأصبح الصحفي قادراً على تصوير الحدث وتسجيل الصوت وكتابة النص وتحرير الفيديو وبث المادة من موقع الحدث، وأصبح الجمهور أيضاً قادراً على إنتاج المحتوى والمشاركة في توزيعه، «المصدر - مؤسسة مارشال مكلوهان، كندا، شرح مفهوم امتدادات الإنسان وأعمال مكلوهان، 2026»، ومن هنا يمكن فهم واحدة من أهم نتائج التطور التكنولوجي في الإعلام، وهي انتقال الجمهور من موقع المستقبل إلى موقع المستخدم والمشارك والمنتج، ففي النموذج الإعلامي التقليدي كانت المؤسسة تمتلك معظم أدوات الإنتاج والتوزيع، بينما أصبح المستخدم في البيئة الرقمية قادراً على تصوير الحدث والتعليق عليه وإعادة نشره ومناقشته وتصحيحه وإنتاج مادة جديدة حوله، وهذا التحول أدى إلى إعادة توزيع القوة داخل البيئة الإعلامية، فلم تعد المؤسسة الإعلامية وحدها صاحبة القدرة على تحديد ما يصل إلى الجمهور ومتى يصل إليه، بل أصبحت المنصات الرقمية والخوارزميات وسلوك المستخدم عناصر مؤثرة في انتشار الرسالة، وتشير بيانات تقرير الأخبار الرقمي لعام 2026م، إلى أن شبكات التواصل الاجتماعي ومنصات الفيديو أصبحت الوسيلة الأكثر استخداماً للوصول إلى الأخبار عبر الإنترنت في متوسط الأسواق التي شملها التقرير، بنسبة 54 %، مقابل 51 % للمواقع والتطبيقات الإخبارية التابعة للمؤسسات الإعلامية، كما ارتفعت نسبة من يعتبرون شبكات التواصل الاجتماعي ومنصات الفيديو مصدراً رئيسياً للأخبار إلى 30 %، «المصدر - معهد رويترز لدراسة الصحافة، المملكة المتحدة، تقرير الأخبار الرقمي 2026م»، وهذه الأرقام لا تعني فقط أن الجمهور انتقل من وسيلة إلى أخرى، بل تعني أن البيئة التي يعمل فيها الصحفي تغيرت، فالخبر لم يعد يصل إلى الجمهور عبر قناة واحدة، وأصبح ينافس آلاف المواد الأخرى على انتباه المستخدم، وأصبح ترتيب المحتوى داخل المنصة عاملاً مؤثراً في وصوله، كما أصبح الجمهور قادراً على الانتقال من خبر إلى آخر خلال ثوان، ولذلك تغيرت طريقة بناء العناوين والمقدمات والصور ول