الجمهورية | نعمة طعمة: رؤية الحاضر وقانون الثقة

رؤيته ومواقفه الوطنيةوفق هذا التدرُّج المنطقي في مواكبة الأحداث وتطوُّرها، يقدّم أبو يوسف رؤيته ويطلق مواقفه الوطنية من واقع الحياة، مواظباً الانتصار لاتفاق الطائف كضامن صلب للسلم الأهلي، مؤمناً بأنّ مصالحة الجبل هي النموذج العيشي الذي يجب تحصينه وتقديمه كنمط للتآلف الوطني اللبناني، الذي يحتاج إلى تقديم تنازلات وتحقيق تطلعات من قبل كل القوى والمكوّنات الثقافية والاجتماعية والسياسية، انطلاقاً من أنّ رسولية لبنان، هي المثال والمثل، الذي يجب على لبنان اعتماده شعاراً والتقيّد بمعناه الحضاري ودوره الإنساني.يؤسّس المهندس نعمة طعمة السياسي اللبناني الهادئ الشديد النبل والعميق التفكير والبعيد الإستشراف، من خلال كتابه "رؤية و مواقف"، لنظرية مفادها أنّ السياسة السامية هي خدمة، وأنّ المناصب والمراتب هي مواقع للمسؤولية، وليست مراكز للتسلّط أو الإسْتِئثار وفرض الرأي الخاص على الرأي العام، بما يعنيه ذلك من وضوح للرؤية وجلو للصورة في ما يقترحه من طروحات ويقدّمه من معالجات لقضايا الشأن العام بكل وجوهها ومراتبها. ومن خبرته العميقة في السياسة اللبنانية وما تختزنه من خصوصيات وتجارب، يحرص على اعتبارها فن خدمة الوطن، وهو المرتاح الآن من السياسة لا المرتاح إلى أحوالها، بالإضافة إلى أنّ السياسة من مفهومه الأخلاقي ونظرته الوطنية، هي خدمة المجتمع وتحصينه إنمائياً، وتمكينه من مواجهة المتغيّرات الدائمة التبدّل والتي تهدّد تحوّلاتها بالعصف بالأوطان الصغيرة، خصوصاً تلك التي تشكّل مثالاً حضارياً للعيش السلامي والتلاقيات الروحية بين الأديان وتفاعل الثقافات والحضارات، كلبنان التاريخ ولبنان الوطن ولبنان الدولة، فتنجح إذذاك لتقدّم نموذجاً لمستقبل المجتمعات المتنوّعة، على الرغم ممّا يعترض فلسفة وجود لبنان من تحدّيات قاسية تتعارض مع إقصاءات الأفكار الشمولية للجماعات، وتعاكسات الممارسات العنصرية للتنوّعات، وتحكّمات البعض بالقرارات، فتبرز الصيغة اللبنانية بفرادتها ومثالية تركيبتها المتداخلة فكرياً وعيشاً ميدانياً وعناصر توفيقية، إنّها الصيغة المبنية على القِيم والمرتكزة على الاستراتيجية السلامية المتكاملة عناصرها بين التأصيل والتجدُّد والحفاظ على التنوُّع الحضاري والتفاخر بالنوعيات الإيمانية التي ترتسم بها صورة لبنان كنموذج يليق بالإنسانية.

بناء الجسورويستكمل نِعمِة طعمة، الذي يسكن كتابه مهمّة تركيز الأسس وبناء الجسور بين لبنان والبلاد العربية والمملكة العربية السعودية تخصيصاً، على قاعدة التعاون والاحترام والتكامل، انطلاقاً من رؤيته إلى دور لبنان وموقعه ورسالته الوجودية ووضعيته الأخوية في المجتمع العربي الحاضن والراعي والحامي لتفاعلية الحضور اللبناني في الدول العربية ودوره التشاركي مع مجتمعاتها، للنهوض بالحالة العربية عمرانياً وفكرياً، والارتقاء بها من رتبة الإنماء إلى مرتبة الازدهار، مستحضراً الوجود اللبناني في دول الخليج التي يعتبرها امتداداً أخوياً للبنان بكل مكوّناته.ويترسّخ الفكر الوطني لنعمة طعمة بالنهج السياسي الذي يتبعه في مسيرته الحياتية ويلتزمه في مساره الفكري الموسوم بانفتاحية موصوفة بنسج العلاقات مع الدول العربية على مستوى أفقي، يرتكز إلى تقنية بناء جسور التواصل الجاد بين المكوّنات السياسية والاقتصادية والمجتمعية، ويستند عمودياً إلى إقامة علاقات تكامل صلبة بين لبنان وأصدقائه، بموازاة الحرص على الاستقلالية السيادية للبنان وتوطيد العلاقات بينه وبين الدول العربية التي تنفتح على لبنان، من دون الإمحاء أو التماهي الماحي للخصوصية.

مضمون الكتابوفي مضامين الكتاب الذي يحتضن رؤىً ومواقف مفصلية، توزّعت مقالات ومقابلات ومداخلات وشهادات وخطابات على مدى سنوات من الحضور والفعل السياسي، تتضح المنهجية الفكرية لنعمة طعمة وأسلوبه الأرستقراطي بمعالجة الأزمات والتعاطي مع النزاعات بهدوء وروية وعقلانية هادئة، أحلَّته مكانة في سنكسار السياسة اللبنانية، بمحليَّتها الجبلية واتساعها على مدى الجغرافية اللبنانية، فاتسمت شخصيّته باحترام مقدَّر، وذي اعتبار من النخب الفكرية والقيادات السياسية والمرجعيات الروحية بكل تنوّعاتها النوعية.وأبرز التجليات الاعتدالية لمواقفه كانت من مصالحة الجبل، التي يستعيد فصولها بانشغال كبير بالتحدّيات التي ترتسم في درب التوافق العيشي، الذي يشكّل جبل لبنان حجر الزاوية في بنيته السياسية وحضوره التاريخي.

نهجه الميدانيومن العلامات المايزة لنهجه الميداني في صناعة التوافقات وبناء التلاقيات، اعتماده الحوار سبيلاً دائماً للتفاهم وبناء المستقبل، على قاعدة تجسيد العيش الصحيح بين اللبنانيّين وتحصين الكيانية الوطنية، من خلال مفهوم التمايز ضمن الوحدة، متبعاً نهجاً جديداً في السلوكات السياسية، يعتمد ركائز الحوار الهادئ، ويستمد مناعته من خلال اتباع خطاب سلامي يعيد توزيع الثقة بين اللبنانيّين ويطمئن الأجيال الشابة إلى مستقبلها ويستعيد ثقتهم بالوطن.ويبرز اهتمامه بالشباب، من خلال سعيه لإنتاج رؤية تركّز على ولادة لبنان الذي يطمئنهم ويلاقي انتظاراتهم، ويفتح أمامهم مجالات التوظيف والعمل والاستثمار بقدراتهم لخدمة الوطن المثقل بجراح الانقسامات والخلافات والتأثيرات المستوردة والغريبة عن تاريخ لبنان.

المواكبة السياسية والاجتماعيةوفي مواكبته للوضع السياسي والاجتماعي، حرص على ضرورة رسم سياسة إصلاحية واعتماد الشفافية، كناموس عام الدولة الحديثة، مؤكّداً أنّ ثقة المواطن بالدولة هي أول مدماك في بناء العلاقة الصحيحة بين مؤسسات الدولة والمجتمع. وهو في كل برامجه السياسية ورؤاه المجتمعية، كان شديد الإنصات للماضي، للاتعاظ من دروسه التي تشكّل التاريخ الحي للبلدان التعدّدية.ولا تنفصل رؤية نعمة طعمة ومواقفه الناظرة في الوضع اللبناني وعلاقاته العربية عن دعواته المتكرّرة للاتعاظ من دروس الزمن والإفادة من التجارب والأزمات والتقلّبات التي عانى منها لبنان منذ أربعة عقود وأكثر، كي لا نقع من جديد في شرك المؤامرات والاستراتيجيات التي تُحاك للمنطقة ويكون لبنان ضحيتها الأضعف. وهو في سبيل إيجاد حلول للمشاكل التي تتناسل وتتراكم بتسارع حاد، يعمل وفق نظرته للأمور للإضاءة على ما خبره في خلال تسلّمه المناصب النيابية والمواقع الوزارية التي تولّاها، لإنتاج وتقعيد رؤية وقائية تحمي لبنان داخلياً وتحصّن موقعه في المجتمعين العربي والدولي. وهو لا يتوانى التأكيد على أهمية دور لبنان الإنمائي ومركزه الاقتصادي ورسالته الإنسانية، كما على الثبات في بناء العلاقات وتدعيمها الدائم بالمواقف الوطنية، وإرساء قواعد التواصلية الصريحة بين لبنان والدول العربية، التي تشكّل المدخل الأصح والأوحد للحفاظ على الكيانية اللبنانية الكافلة لحقوق كل اللبنانيّين، والضامنة لحريّتهم الوجودية وحضورهم النوعي.

الحارس بالسياسة الديبلوماسيةلقد أتقن نعمة طعمة، الوزير والنائب والحارس لكرامة المواطنين، فن الاستثمار الإيجابي لمفهوم السياسة الديبلوماسية بمعناها السلس والوقور، فحرص على مخاطبة الناس بلفظيات وتعابير صريحة المضامين واضحة المقاصد، من دون أن يعتري كلامه أي مسكوت عنه من الآراء، فكتب من دون لبس كفوف وصرّح بجرأة وواجه بلا أقنعة، فتشكّل لديه موفور من الثقة، أحله مكانة بين عارفيه وزاد من رصيده عند قادريه.على هذا النهج الفكري، نظر نعمة طعمة إلى الإعلام كسلطة مساعدة وإرشادية ورقابية وعنواناً للديمقراطية والحرّيات العامة، منتصراً لفلسفة السلطة الخامسة المناط بها مساعدة الإعلام لتدعيم معارفه، فطالب بتعزيز الكيانية الإعلامية المبنية على ثلاثية الأخلاق والقيم وخدمة المعرفة.وإذا كان الكتاب يُقرأ من عنوانه، فإنّ كتاب نعمة طعمة يُقرأ من اسم كاتبه. والمحطات التاريخية الموثقة باحترافية علمية دقيقة، تشكّل نوعاً فريداً من كتابة المذكرات الأنيقة التي تليق بصاحبها وتحترم القارئ، وتكون على مقدار معتبر من الثقة بلبنان واللبنانيّين.