وأوضح شين تشيانغ، الخبير في الشؤون الأميركية - الصينية في جامعة فودان في شنغهاي: «إنّها عبرة تاريخية من دروس سياسات القوى العظمى لن تنساها الصين أبداً. فقد جرى كل شيء من وراء ظهر الصين وعلى حساب مصالحها».وبعد أكثر من 8 عقود، تدرس بكين إمكانية استضافة اجتماع ثلاثي يضمّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والزعيم الصيني شي جينبينغ.وقد يشكّل هذا الاجتماع تأكيداً لطموح الصين في أن تصبح قوة عالمية لا غنى عنها، وعلى قدم المساواة مع الولايات المتحدة، لكنه ينطوي على خطر استحضار نمط المساومات بين القوى العظمى، الذي لطالما ادّعت بكين استياءها منه. وقد أثار احتمال عقد هذا الاجتماع، الذي طرحه الكرملين، مخاوف في أوكرانيا، من أن يسعى بوتين إلى التوصّل إلى اتفاق مع ترامب لإنهاء حربه وتقرير مصير أوكرانيا، من دون إشراك كييف في ذلك.وأكّدت الصين الأربعاء، أنّها تجري محادثات مع روسيا والولايات المتحدة بشأن عقد لقاء بين قادة الدول الثلاث، يُرجح أن يُعقد على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ، المقرّرة في وقت لاحق من هذا الشهر في مدينة شينزين بجنوب الصين. لكن لم يتضح بعد ما إذا كان هذا الاجتماع سينعقد بالفعل.
أوكرانيا تعقّد القرار الصينيتتحفّظ الصين على توفير منصة لبوتين تتيح له إبرام اتفاق مع واشنطن بشأن أوكرانيا. فالإقدام على هذه الخطوة سيتناقض مع الموقف الذي تتبناه بكين، والقائل إنّ محادثات السلام تستوجب مشاركة أوكرانيا وأوروبا. وقد بدا أنّ شي يوجّه هذه الرسالة قبل أسبوع فقط.وأعلن الرئيس الألماني فرانك-فالتر شتاينماير، الذي زار بكين، لإحدى القنوات التلفزيونية الألمانية، أنّه عندما التقى شي، أوضح الزعيم الصيني أنّه لا يعتقد أنّ الولايات المتحدة وروسيا والصين ستناقش مصير أوكرانيا في شينزين.وأضاف شتاينماير: «كان من الممكن رؤية الانزعاج على وجهه. بل إنّه سأل عن مصدر هذه الشائعات. لقد أكّد صراحة أنّ هذا نزاع أوروبي، وأنّ الأوروبيين يجب أن يكونوا حاضرين إلى طاولة المفاوضات». وأعرب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أيضاً عن تحفظاته إزاء المحادثات المحتملة، قائلاً الأسبوع الماضي، بحسب وكالة الأنباء الرسمية الأوكرانية «أوكرينفورم»: «لا أرغب إطلاقاً في أن يتحوّل الأمر إلى يالطا 2 أو 3 أو 4، حيث تجري إعادة توزيع مناطق النفوذ».ويرى بعض الصينيّين، أنّ الصفقة السرّية التي جرى التوصّل إليها في مؤتمر يالطا، قرب نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت بمثابة خيانة. فقد تعرّضت الحكومة القومية الصينية آنذاك لضغوط دفعتها إلى التخلّي عن مطالبتها بما يُعرف اليوم بمنغوليا، ومنح السوفيات امتيازات خاصة في المجالات البحرية والنقل والتجارة في منشوريا، الواقعة شمال شرقي الصين.ومن شأن اجتماع معاصر يضمّ أكبر 3 دول في العالم من حيث امتلاك الأسلحة النووية، أن يتعارض بصورة محرجة مع الصورة التي سعت بكين إلى ترسيخها عن نفسها، بوصفها مدافعاً عن مصالح الدول الأضعف. لكن الصين، في الواقع، لا تتردّد في استعراض قوتها في مواجهة دول أصغر، مثل الفيليبين.وأوضح جوزيف توريجيان، المؤرخ المتخصّص في تاريخ الحزب الشيوعي الصيني في الجامعة الأميركية بواشنطن: «بغض النظر عمّا قد يناقشه بوتين وشي وترامب، فإنّ مجرّد ظهورهم مجتمعين في لقاء واحد سيثير تساؤلات بشأن ما إذا كان ذلك ينطوي على شكل من أشكال تقاسم النفوذ بين القوى العظمى، بما يتجاهل مصالح الدول الأصغر. سيكون من المفارقات بالفعل بالنسبة إلى الصينيّين أن يقرّروا، على الرغم من ذلك، أنّ عقد اجتماع ثلاثي يستحق العناء لسبب ما».
بكين لا تريد مناقشة الأسلحة النوويةقال ترامب إنّه يرغب في استغلال اجتماع ثلاثي مع شي وبوتين في شينزين لمناقشة نزع السلاح النووي. وقد انتهت صلاحية آخر معاهدة للحدّ من الأسلحة النووية بين الولايات المتحدة وروسيا في شباط الماضي، فيما تعمل الصين بوتيرة متسارعة على بناء ترسانتها النووية.لكن هذا الموضوع، بالنسبة إلى بكين، غير قابل للبحث أساساً. ففي عهد شي، ابتعدت الصين عن استراتيجيتها التي اعتمدتها لعقود، والقائمة على الاحتفاظ بترسانة نووية لا توفّر سوى «حدّ أدنى من الردع». وبدلاً من ذلك، تعمل على تجميع مخزون من الأسلحة النووية، قد يضاهي يوماً ما ترسانتي واشنطن وموسكو، كما أنّها تقاوم فرض قيود على تطوير أسلحتها النووية.كذلك، تمتلك الصين عدداً أقل بكثير من الرؤوس الحربية النووية، يُقدّر بنحو 620 رأساً، مقارنة بأكثر من 5 آلاف رأس لكل من روسيا والولايات المتحدة، وفقاً لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام.وعندما سُئلت المتحدّثة باسم وزارة الخارجية الصينية، ماو نينغ، الشهر الماضي، عمّا إذا كانت الصين ستوافق على مناقشة نزع السلاح النووي مع الولايات المتحدة وروسيا في شينزين، تفادت الإجابة المباشرة. وقالت إنّ واشنطن هي التي تتحمّل المسؤولية الأساسية عن نزع السلاح، مضيفة أنّ مطالبة الصين بالمشاركة في مفاوضات بشأن نزع الأسلحة النووية «ليست عادلة ولا معقولة ولا واقعية».ومع ذلك، يشير محللون صينيون، إلى أنّ بكين قد توافق على مناقشة مسألة أضيق نطاقاً. ويعتقد تشاو لونغ، الخبير الأمني في معاهد شنغهاي للدراسات الدولية، أنّ الصين قد تكون منفتحة على إجراء محادثات بشأن الحدّ من المخاطر المرتبطة باندلاع نزاع نووي.وقد يشمل ذلك تحسين قنوات التواصل خلال الأزمات، وضمان احتفاظ الدول بالسيطرة البشرية على القرارات المتعلقة باستخدام الأسلحة النووية، حتى في عصر الذكاء الاصطناعي. وهي مسألة سبق أن توصّلت الصين والولايات المتحدة إلى اتفاق بشأنها عام 2024.
مخاطر تولّي دور المضيفوأوضح رايان هاس، الديبلوماسي السابق الذي عمل في السلك الديبلوماسي والمسؤول السابق في مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض، والذي يعمل حالياً في معهد بروكينغز، أنّ من غير المرجّح أن ترفض بكين دعوة ترامب وبوتين، على الرغم من كل تحفظاتها.وكان هاس قد زار بكين مؤخّراً، والتقى مسؤولين صينيّين وأكاديميّين أبدوا اهتماماً بمناقشة ما الذي يريد ترامب تحقيقه من اجتماع ثلاثي. وخرج هاس بانطباع مفاده أنّ بكين تريد جني ثمار اجتماع تاريخي، لكنها تتوجس من المسؤولية المترتبة على ضمان نجاحه. وأضاف هاس: «عادة ما يتجنّب شي تحمّل مسؤولية الفعاليات الديبلوماسية البارزة التي لا تكون نتائجها مضمونة، ولذلك فإنّ هذا الحدث سيدفع الجانب الصيني إلى تجاوز حدود ارتياحه المعتادة».وبالنسبة إلى كثير من المسؤولين في الغرب، تؤدي الصين دوراً أساسياً في التأثير على موسكو، نظراً إلى أنّ روسيا أصبحت تعتمد على بكين بدرجة كبيرة، ديبلوماسياً واقتصادياً. ففي عام 2024، اتهم حلف شمال الأطلسي الصين بأنّها «عامل حاسم في تمكين روسيا من مواصلة حربها ضدّ أوكرانيا»، داعياً إياها إلى وقف شحنات «مكوّنات الأسلحة» وغيرها من التقنيات التي تحتاج إليها روسيا لإعادة بناء قدراتها العسكرية.لكن من وجهة نظر بكين، لا علاقة للصين تُذكر بنزاع لم تساعد في إشعاله، ولم تقدّم دعماً عسكرياً لأي من أطرافه. ويرى بعض المحللين الصينيّين، أنّ أقصى ما يمكن أن تفعله بكين هو تسهيل عقد المحادثات، مع محاولة النأي بنفسها عن فكرة أنّها قادرة على ممارسة ضغوط على الكرملين.ويرى سونغ غويو، الخبير في العلاقات الأميركية - الصينية في جامعة فودان في شنغهاي: «إذا كانت الولايات المتحدة وروسيا تريدان التحدّث، فلا يمكن للصين أن تطلب منهما عدم القيام بذلك». وأضاف أنّه إذا اجتمع القادة الثلاثة وكان موضوع أوكرانيا مدرجاً على جدول الأعمال، فإنّ دور الصين سيقتصر على أن تكون «ميسّرة للحوار، وموفّرة للمنصة، وشاهداً محايداً».