الجمهورية | التضخّم المرتفع يلاحق الجمهوريين في الانتخابات

في يوم الثلاثاء الأخير الذي يسبق انتخابات منتصف الولاية، وجد الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه في مدينة كوربوس كريستي بولاية تكساس، يتأمّل بصوت مسموع القوى السياسية التي أوصلته إلى البيت الأبيض مجدداً قبل عامَين. وقال أمام الحشود المشاركة في المهرجان الانتخابي في ولاية تحوّلت إلى ساحة لمنافسة غير متوقعة الشراسة على مقعد في مجلس الشيوخ: «لقد انتُخبت بسبب ارتفاع الأسعار». ثم وجّه الرئيس غضبه نحو الديمقراطيّين، قائلاً: «لم تكن الأسعار المرتفعة في عهدي، بل كانت لديهم هم».

وبالنسبة إلى ترامب، فإنّ المصدر السابق لقوّته السياسية، بات اليوم يهدّد بإسقاط الجمهوريّين في عام 2026. وقد يتوقف مصير سيطرة الحزب على الكونغرس إلى حدّ كبير على مدى غضب الناخبين من ارتفاع تكاليف المعيشة، وعلى الوعود التي لم يفِ بها الرئيس لاتخاذ خطوات لمعالجة هذه المشكلة. اقرأفي السياسة

وبدا القلق واضحاً في صفوف الجمهوريّين، فيما يجوب ترامب البلاد في جولة انتخابية مكثفة خلال اللحظات الأخيرة من الحملة. إذ حاول تقديم الاقتصاد على أنّه قوي ومتنامٍ ويشهد تدفقاً واسعاً للاستثمارات الجديدة، في حين قلّل من أهمية حقيقة أنّ التضخّم تفاقم بوضوح خلال إدارة حزبه.

نمو اقتصادي لا يبدّد مخاوف التضخم

وفي تقديم صورة أخيرة عن الوضع الاقتصادي قبل يوم الانتخابات، أكّدت مجموعة من التقارير الحكومية بعضاً من ادعاءات ترامب، فيما قوّضت ادعاءات أخرى. وأظهرت البيانات أنّ الاقتصاد كان يتوسع بالفعل بوتيرة أسرع، إذ ارتفع أحد المؤشرات الرئيسية لإجمالي الناتج الاقتصادي بمعدّل سنوي بلغ 3,4% خلال الصيف. لكنّ الأسعار تسارعت أيضاً، مسجّلة ارتفاعاً بوتيرة أسرع في أيلول، مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، ومواصلة تجاوز المكاسب المحققة في الأجور.

ونتيجة لذلك، بدت رسالة ترامب متناقضة مع التجربة اليومية للناخبين، الذين يلمسون الحقائق القاسية لاقتصاد ترتفع فيه التكاليف كل يوم، سواء عند ملء خزانات سياراتهم بالوقود، التسوُّق لشراء المواد الغذائية، دفع أقساط التأمين الصحي، تلقّي فواتير بطاقاتهم الائتمانية، أو مواجهة صعوبات امتلاك المنازل.

وبعدما تحمّل الناخبون قرابة عامَين من الرسوم الجمركية المرتفعة، التوترات الجيوسياسية، والصدمات الاقتصادية الأخرى، يبدو أنّهم يميلون إلى توجيه جولة جديدة من الانتقام السياسي عبر صناديق الاقتراع، أو هكذا تشير أحدث استطلاعات الرأي. وبحسب حجم هذه العقوبة الانتخابية، قد يخسر الجمهوريون أغلبيتهم في الكونغرس، الأمر الذي من شأنه تقييد الطموحات الاقتصادية لترامب خلال ما تبقّى من ولايته الرئاسية.

وعزا توماس فيليبسون، الاقتصادي في جامعة شيكاغو الذي قدّم المشورة لترامب خلال ولايته الأولى، بعض الزيادات في الأسعار، إلى أهداف وصفها بالجديرة بالتقدير، ومن بينها محاولة نزع سلاح إيران. وأضاف أنّ الاقتصاد يُظهر مؤشرات كثيرة على القوة، على الرغم من المزاج الوطني المتشائم.

لكنّه أضاف: «الناس لا يتابعون الإحصاءات الإجمالية. يذهبون إلى متاجر المواد الغذائية كل أسبوع، وإلى محطات الوقود ربما مرّة كل أسبوعَين، وهم مستاؤون من ذلك. لا يزال الناس غاضبين بسبب تلك الزيادات في الأسعار».

وعود خفض الأسعار تتحوَّل عبئاً انتخابياً

أكثر من أي قضية اقتصادية أخرى، كان الارتفاع الكبير في تكاليف المعيشة خلال عهد الرئيس جو بايدن هو ما ساعد الجمهوريّين على الوصول إلى السلطة في عام 2024. وفي يوم تنصيبه، تعهّد ترامب بتسخير أجهزة الحكومة بأكملها من أجل «خفض التكاليف بسرعة».

وبحلول ذلك الوقت، كان التضخّم، وفقاً لمؤشر أسعار المستهلكين، قد تراجع إلى نحو 3%، وكان كثير من الخبراء يعتقدون أنّه سيواصل الانخفاض، بعدما بلغ مستويات قياسية خلال جائحة كورونا. لكنّ الأسعار بدأت بالارتفاع مع إطلاق أجندة ترامب سلسلة من الصدمات الاقتصادية المكلفة.

وفي إطار مسعاه لتعزيز التصنيع المحلي، فرض الرئيس رسوماً جمركية قاسية على الواردات. وقد أدّت هذه الرسوم، التي واجهت تحدّيات متكرّرة أمام المحاكم وخضعت لإعادة ضبط وتعديل، إلى زيادة الإيرادات، لكنها جعلت السلع الأجنبية أكثر كلفة بالنسبة إلى المستهلكين الأميركيّين.

وسعياً إلى تحفيز مزيد من الاستثمارات، عمل الرئيس على تفكيك مجموعة واسعة من الأنظمة والقيود التنظيمية، ونجح في إقرار حزمة من التخفيضات الضريبية التي وفّرت وفورات كبيرة للشركات. لكنّ القانون فاقم أيضاً الدين الفيدرالي، الذي تجاوز 40 تريليون دولار خلال فترة حكم الجمهوريين. وقد ساهم ذلك في جعل الاقتراض الحكومي، وبالتالي اقتراض المستهلكين، أكثر كلفة.

كما أطلق القانون نفسه مسار تخفيضات في المساعدات الغذائية والصحية الفيدرالية المقدّمة إلى الأسر ذات الدخل المنخفض. وفي حين ساعد القانون بعض الأميركيّين على خفض فواتيرهم الضريبية، فإنّ أثر هذه التخفيضات ربما كان أقل وضوحاً، بعدما أدّت الحرب مع إيران إلى ارتفاع أسعار الطاقة. وقد امتد تأثير هذا الصراع، الذي دخل الآن شهره التاسع، إلى مختلف أنحاء الاقتصاد العالمي، رافعاً تكاليف تذاكر الطيران والزراعة والتدفئة والشحن والنقل.

مؤشرات القوة الاقتصادية تصطدم بتشاؤم الناخبين

وبالتأكيد، لا يخلو الاقتصاد بمجمله من نقاط مضيئة. فالتوظيف يسجّل وتيرة بطيئة لكنه مستقر، والأسواق تحقق مستويات مرتفعة، فيما يواصل المستهلكون الإنفاق. وارتفع هذا الإنفاق، الذي يشكّل محركاً رئيسياً للنمو الاقتصادي الإجمالي، بمعدّل سنوي بلغ 3,8% خلال الربع الثالث. ويشير ذلك إلى أنّ الأميركيّين لا يزالون يحتفظون بقدر من الثقة بمتانة أوضاعهم المالية. لكنّ الناخبين أرسلوا أيضاً إشارات، عبر استطلاعات الرأي السياسية واستبيانات الاقتصاديّين، إلى أنّ مزاجهم لا يزال قاتماً، قبل أيام قليلة من موعد الانتخابات.

وأوضح ساتيام بانداي، كبير الاقتصاديين المعنيين بالولايات المتحدة: «تشير البيانات إلى أنّ الاقتصاد يعمل بوتيرة قوية إلى حدّ كبير. ونقطة الضعف الوحيدة في الاقتصاد هي التضخّم، وأعتقد أنّ هذا التشاؤم لا يزال قائماً على الرغم من قوة الاستهلاك والنمو».