توافد الإسرائيليون بأعداد قياسية إلى صناديق الاقتراع، أمس الثلاثاء، في انتخابات يُنظر إليها على نطاق واسع على أنّها الأكثر حسماً في تاريخ البلاد، فيما يقرّر الناخبون ما إذا كانوا سيُبقون رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وائتلافه اليميني في السلطة، أم سيسلكون مساراً جديداً. وبدا أنّ نسبة المشاركة مرتفعة مقارنةً بالانتخابات السابقة، في صفوف المواطنين العرب، الذين يشكّلون نحو خُمس سكان إسرائيل. وبحلول أواخر فترة بعد الظهر، وقبل ساعات من إقفال صناديق الاقتراع، تجاوزت نسبة المشاركة في بعض البلدات ذات الغالبية العربية إجمالي المشاركة المسجّل في الانتخابات الأخيرة عام 2022.
وهذه أول انتخابات تشهدها إسرائيل منذ هجمات السابع من تشرين الأول 2023، التي قادتها حركة «حماس»، وأحدثت تحوُّلاً جذرياً في البلاد وأشعلت حرباً استمرّت 3 سنوات. وواجه الناخبون خياراً بين كتلتَين تقدّمان رؤيتَين متباينتَين جذرياً. وسعى نتنياهو إلى إعادة انتخابه على رأس أكثر الحكومات تطرُّفاً لليمين في تاريخ إسرائيل. وواجه ائتلافه، المؤلف من قوميّين ويهود متشدّدين دينياً، مجموعة متنوّعة أيديولوجياً من أحزاب المعارضة اليهودية، التي يقودها بصورة غير رسمية غادي آيزنكوت، رئيس الأركان السابق الذي قُتل ابنه في حرب غزة. كما تعارض الأحزاب التي تمثل المواطنين العرب في إسرائيل حكومة نتنياهو بشدّة.
وصوَّر الطرفان الانتخابات على أنّها لحظة حاسمة ستحدِّد مصير البلاد. ويُعدّ ائتلاف نتنياهو في إسرائيل أكثر تديّناً، وبقبضة أشدّ إحكاماً على الضفة الغربية وقطاع غزة. أمّا خصومه، فقدّموا التصويت باعتباره الفرصة الأخيرة للحفاظ على الديمقراطية وانتشال إسرائيل من حافة التحوُّل إلى دولة منبوذة دولياً، تخضع لعقوبات دولية.
وأقفِلت صناديق الاقتراع عند الساعة العاشرة مساءً، لكن لم يُحسم فوراً اسم رئيس الوزراء المقبل، نتيجة تقارب حلفاء نتنياهو وخصومه في عدد المقاعد، فيما قد يستغرق تشكيل ائتلاف حاكم في النظام البرلماني الإسرائيلي أسابيع أو أشهراً.
ودعا قادة المعارضة، بقيادة آيزنكوت، إلى محاسبة المسؤولين عمّا يصفونه بإخفاق نتنياهو في منع هجمات 7 أكتوبر. كما تعهّدوا بإصلاح صورة إسرائيل المحطمة في الخارج، بما في ذلك من خلال تشديد الإجراءات على أعمال العنف التي يرتكبها متطرّفون إسرائيليون ضدّ الفلسطينيّين في الضفة الغربية. وقد عارض نتنياهو تشكيل لجنة تحقيق مستقلة في هجمات 7 أكتوبر. وتعهّد بالمضي قدماً في إعادة هيكلة النظام القضائي الإسرائيلي، وهي خطوة يقول منتقدوه إنّها قد تقوّض الديمقراطية الليبرالية في البلاد. ويقول حلفاؤه إنّهم يأملون في ترسيخ الحكم الإسرائيلي بصورة دائمة في الضفة الغربية وقطاع غزة، على الرغم من الإدانات الدولية.
هيمن نتنياهو (77 عاماً) على السياسة الإسرائيلية لعقود. وفي الأيام الأخيرة، ألمح مراراً إلى أنّ البلاد قد تواجه الإبادة إذا لم يكن هو على رأس السلطة.
ارتفاع نسب المشاركة
كان الإقبال على التصويت كثيفاً. فبحلول الساعة العاشرة صباحاً، أي بعد 3 ساعات من فتح صناديق الاقتراع، بلغت نسبة المشاركة 16,7%، مقارنة بـ15,9% عند التوقيت نفسه في الانتخابات العامة الأخيرة عام 2022، وفقاً للجنة الانتخابات المركزية. وبحلول ساعات الظهر، كان نحو 31,5% من الناخبين المحتملين قد أدلوا بأصواتهم، وهي أعلى نسبة تُسجّل عند هذا التوقيت من اليوم في انتخابات إسرائيلية منذ سبعينات القرن الماضي، وفقاً لدين ليفني، المدير العام بالإنابة للجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية. وفي انتخابات عام 2022، التي أعادت بنيامين نتنياهو إلى السلطة، بلغت نسبة المشاركة عند الظهر 28,4%، بحسب اللجنة. وأبلغ ليفني الصحافيّين عن تسجيل طوابير طويلة في بعض مراكز الاقتراع، داعياً الناخبين إلى التحلّي بالصبر.
وبحلول الساعة الثانية بعد الظهر، أفاد تحديث صادر عن لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية بأنّ نسبة المشاركة بلغت 44,9%، وهي الأعلى منذ عقود عند هذا التوقيت، وتزيد بـ6 نقاط مئوية على المستوى المسجّل في التوقيت نفسه خلال انتخابات 2022. وبدا ارتفاع المشاركة واضحاً في مدينة اللد المختلطة، ذات الغالبية اليهودية والعربية، حيث انتظر السكان في طوابير طويلة للإدلاء بأصواتهم. وبحلول الساعة الرابعة بعد الظهر، تجاوزت نسبة المشاركة 55%. أخبارحكومية
وفي رهط، البلدة البدوية في الجنوب، بلغت نسبة المشاركة 60% قبيل الساعة الخامسة مساءً. وهي النسبة النهائية التي سجّلتها البلدة في الانتخابات السابقة عند إقفال الصناديق. أمّا في الناصرة، فبلغت النسبة نحو 46%، أي أقل بنقطتَين مئويّتَين من النسبة النهائية المسجّلة فيها عام 2022. وبحلول الساعة السادسة، بلغت نسبة المشاركة 66,7%، لتزيد بـ9 نقاط مئوية على النسبة المسجّلة عام 2022. وبعد ساعتَين بلغت 74%.
لا مخالفات بارزة
وأعلنت لجنة الانتخابات المركزية أنّه لا توجد مؤشرات إلى وقوع مخالفات واسعة النطاق، على الرغم من أنّ الشرطة اعتقلت 3 أشخاص يُشتبه في محاولتهم رشوة ناخبين لحملهم على التصويت لمصلحة حزب «رعام» الإسلامي.
وتبنّى حزب «الليكود» بزعامة نتنياهو الخطاب، ونشر ملصقاً يظهر حشداً من النساء المحجّبات، داعياً الإسرائيليّين اليمينيّين إلى «عدم البقاء في منازلهم». فعام 2015، لجأ نتنياهو إلى تكتيك مماثل، عندما حثّ أنصاره على التصويت بالقول إنّ الناخبين العرب «يتوجّهون بأعداد هائلة إلى صناديق الاقتراع». واتهمه منتقدوه آنذاك بإثارة النعرات العنصرية. ولاحقاً، اعتذر عن أي إساءة تسبَّب بها تصريحه.
ولطالما كانت تل أبيب معقلاً لتيار يسار الوسط، لكن باتت المدينة تتسم بتنوُّع سياسي، إذ توزّعت أصوات الناخبين في الانتخابات السابقة بصورة أكثر توازناً بين مؤيّدي ائتلاف نتنياهو ومؤيّدي المعارضة.
تمديد الاقتراع ورفض الطلب
وأعلن حزب «الليكود»، في بيان، أنّه طلب من لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية تمديد ساعات التصويت إلى ما بعد الموعد المحدّد لإقفال الصناديق، عند الساعة العاشرة مساءً. وتملك اللجنة صلاحية اتخاذ هذا القرار، لكنه لو حدث، كان ليكون إجراءً غير مألوف إلى حدّ بعيد. استكشفالتاريخ
فيما أعلن حزب آيزنكوت معارضته الشديدة لتمديد ساعات التصويت، معتبراً أنّ «الليكود» تقدّم بالطلب بهدف إثارة الشكوك في نزاهة الانتخابات.
وأعلنت لاحقاً لجنة الانتخابات المركزية عدم تمديد ساعات التصويت إلى ما بعد الموعد المقرّر لإقفال الصناديق.
جبارين وبن غفير
واتهم يوسف جبارين، الذي يقود تحالف «القائمة المشتركة» للأحزاب العربية، نتنياهو بأنّه «يحرّض على المواطنين العرب ويقوّض شرعية أصواتنا. أقول لكم: إنّ المجتمع العربي يعرف كيف يعاقبكم. اليوم، سنرسلكم أنتم وحكومتكم الملطخة بالدماء إلى خارج السلطة». وانضمّ إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي اليميني المتطرّف، إلى رئيس الوزراء في محاولة تأجيج المخاوف من ارتفاع المشاركة العربية. ففي مقطع مصوّر سُجّل قرب مدخل بلدة كفر قاسم العربية في وسط إسرائيل، قال إنّ الناخبين العرب يتوجّهون إلى صناديق الاقتراع «بمعدّلات لم يسبق لها مثيل»، في تهديد، بحسب ما أوحى به، للطابع اليهودي لإسرائيل. استكشفالتاريخ
إجراءات استثنائية لحماية نزاهة الانتخابات
في الفترة التي سبقت الانتخابات، تحرَّكت السلطات ومنظمات المجتمع المدني لمراقبة عملية الاقتراع، وسط مخاوف واسعة من إمكان تقويضها بفعل التدخّل السياسي والمعلومات المضلّلة.
وفي مبنى للمكاتب شمال تل أبيب، خطّط عشرات المتطوّعين من العاملين في قطاع التكنولوجيا والمحامين، للاجتماع في «غرفة عمليات» لتلقّي البلاغات الواردة من آلاف المتطوّعين الذين يراقبون مراكز الاقتراع لرصد أعمال العنف أو العرقلة. تحليلاتسياسية
ونظّمت هذه المبادرة مجموعات الاحتجاج المناهضة للحكومة، التي تقول إنّ هدفها ليس تشجيع التصويت لأي حزب سياسي، بل ضمان وصول الناخبين إلى مراكز الاقتراع بأمان.
وفي القدس، أشرف مسؤولون من لجنة الانتخابات المركزية على عملية واسعة لإدارة يوم الانتخابات انطلاقاً من مبنى البرلمان. وانتشر موظفو اللجنة في أكثر من 12 ألف مركز اقتراع، وارتدوا كاميرات مثبّتة على أجسادهم لتوثيق المخالفات. كما تولّى مكتب مشترك مع جهاز «الشاباك»، جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي، رصد شبكة الإنترنت بحثاً عن المعلومات المضلّلة، بهدف الردّ عليها في الوقت الفعلي.
وأكّد عساف شابيرا، الباحث في المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، غير الحزبي: «هذه الانتخابات هي الأكثر تعرُّضاً للتهديد على الإطلاق. المخاطر كبيرة جداً».
وأشار بعض الخبراء إلى مجموعة من مصادر القلق، بينها التطوُّر المتزايد للمحتوى المُنتَج بواسطة الذكاء الاصطناعي وانتشاره، وقوّة شرطة يقول منتقدون إنّها باتت أكثر ولاءً لبن غفير المشرف عليها، وحكومة قائمة ألمح كبار مسؤوليها مراراً إلى إمكان التلاعب بنتائج التصويت.
وأوضح ليفني أنّ اللجنة، وهي هيئة ذات طابع سياسي جزئي يرأسها قاضٍ في المحكمة العليا، فيما يتألّف جهازها الإداري من مسؤولين غير حزبيّين، «تعمل على تعزيز الثقة بالعملية الانتخابية ومواجهة الادعاءات الكاذبة بوقوع عمليات تزوير. ستكون هذه الانتخابات الأكثر شفافية على الإطلاق». أخبارحكومية
بذور التشكيك... والتزوير
اتفق مراقبو الانتخابات على أنّ خطر وقوع عمليات تزوير واسعة النطاق أو التلاعب بعملية فرز الأصوات ضئيل للغاية. وأكّد مسؤولو الانتخابات أنّه لا توجد مؤشرات إلى مخالفات واسعة النطاق. لكنّ بعض الخبراء يقولون أيضاً إنّ مسؤولين حكوميّين قد يكونون يمهّدون الطريق لتقويض الثقة بالانتخابات، تمهيداً للطعن في أي نتيجة غير مؤاتية لهم واعتبارها مزوّرة.
وعلى امتداد الحملة الانتخابية، شكّك أعضاء في حزب «الليكود» في حياد مسؤولي الانتخابات ومؤهلاتهم، وأوحوا بأنّ مجموعات مناهضة للحكومة تتآمر لعرقلة عملية التصويت. وتعتقد ياعيل شومر، عالمة السياسة في جامعة تل أبيب: «للطعن في شرعية الانتخابات، يجب زرع البذور في وقت مبكر. وأعتقد أننا نرى هذه البذور تُزرع بالفعل». ولم يصل كبار المسؤولين الحكوميين إلى حدّ التهديد الصريح برفض نتائج الانتخابات. وكان نتنياهو قد قال مؤخّراً، إنّه سيخسر الانتخابات إذا لم يشارك عدد كافٍ من أنصاره في التصويت.
وحذّر المراقبون من حملات تضليل ومحاولات لترهيب بعض الناخبين وثنيهم عن الإدلاء بأصواتهم يوم الانتخابات. وتعهّد مفوّض الشرطة الإسرائيلية داني ليفي بالدفاع عن نزاهة التصويت، وإنه سيُقيل أي عناصر يعبّرون عن مواقف سياسية أثناء تأدية واجبهم. استكشفالتاريخ
غموض بالنتائج... ولا حكومة جديدة
وبعد إعلان لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية إقفال جميع مراكز الاقتراع في البلاد، لتبدأ عملية طويلة لفرز الأصوات والتحقق منها، يُرجَّح أن تستمر حتى يوم غد الخميس، أشارت استطلاعات الخروج، إلى أنّ أياً من المعسكرَين لم يحقق الأغلبية البرلمانية المطلوبة، وهي 61 مقعداً، فيما قد يضطر المعسكر المناهض لنتنياهو إلى الاستعانة بحزب عربي لتأمينها. وحذّر وزير الثقافة والرياضة ميكي زوهار، من أنّ تحالف المعارضة مع الأحزاب العربية ستكون له تداعيات سياسية كارثية، معتبراً أنّ «الجمهور لن يغفر هذه الخطوة ولن ينساها».
وفي حين أظهرت الاستطلاعات تقدّماً طفيفاً لحزب الليكود على حزب غادي آيزنكوت، بدا المعسكر المناهض لنتنياهو متقدّماً على معسكر رئيس الوزراء وحلفائه. واعتبر زعيم المعارضة يائير لابيد، أنّ النتائج تمثل هزيمة قاسية لنتنياهو، فيما رأى آيزنكوت أنّها تعكس فقدان الثقة بحكومته، متعهداً بالتحرّك سريعاً لاستبدالها. في المقابل، رفض وزير الخارجية جدعون ساعر الاحتفالات المبكرة للمعارضة، مؤكّداً أنّ الليكود لا يزال الحزب الأكبر في إسرائيل. تحليلاتسياسية
وأشارت استطلاعات الرأي عند خروج الناخبين من مراكز الاقتراع، إلى أنّ ائتلاف نتنياهو قد يجد نفسه في حالة تعادل مع خصومه اليهود، فلن يتمكّن أيّ من الطرفَين من تشكيل حكومة بمفرده من دون الاعتماد على الأحزاب العربية. ومن الخيارات التي بدأ المحللون يدرسونها، إمكان تشكيل حكومة وحدة تجمع نتنياهو وآيزنكوت، وتضمّ أحزاب اليمين والوسط في إسرائيل.
غير أنّ آيزنكوت قد يجد صعوبة في قبول مثل هذا التحالف، في ظلّ الكراهية الشديدة التي يكنّها ناخبوه لنتنياهو. ثمّ يبرز أيضاً سؤال عمّن سيتولّى رئاسة الحكومة. فمن غير المرجّح أن يتخلّى نتنياهو عن السلطة، فيما تعهّد آيزنكوت بعدم الانضمام إلى حكومة يرأسها شخص وصفه بأنّه غير مؤهّل لقيادة إسرائيل.