في المقاربة النقدية الافتراضية والاستنباطية للقصيدة، يبرز عنصر التحليل العيني، الذي يشدّد على البرهنة والتدليل إلى صواب المغزى الذي ينقب عنه الناقد بعين تنتهج المبدأ التطبيقي لأصول البنية النصية، وهو ما يجعل زمام القصيدة في تحكّم مذهل بالفوضى التي قد تحدث خلال عملية الولادة لها، ويحرّر الشاعر من الخصوصية إلى العمومية، لتتطابق مشاعره مع الاستيضاح الجلي للقارئ لمتن السطور، يغدو دور الشاعر أقل تدخّلاً بعد أن يترك قصيدته في فضاء المتلقي، الذي يقطعها إلى شذرات متجاورة لا ينبع اعتباطاً، بل يُبنى على الارتباطات المتبادلة بين الذاكرة والحدث.
وهذا ما ميّز كتابات الشاعرة آنْ كارسون التي رسخّت حضورها في المشهد الشعري العالمي، وعنوَنت مسارها الشعري الفلسفي القائم على التجريد الوصفي والنسق الإيحائي، مستشفةً عمق الكون الذي لا يستهلك النص الوصفي بل يمنحه بعداً تأويلياً يتشكّل من التضافر والانجدال النسقي للعناصر الوجودية.
نموذج الخيال والمعاني
ووفق تصوُّر رولان بارت للنص بوصفه نسيجاً من الإحالات والعلاقات المتوالدة، ومنفتحاً على تعدُّد الدلالات وتداخل النصوص، فقد جنحت كارسون إلى بناء نموذج شعري، تتضافر فيه نزعة الخيال مع توالد المعاني داخل البيت الواحد.
في قصيدتها «عن المطر» تقول كارسون: «كانتْ أحلك من الزيتون في الليلة التي غادرت فيها. وحينما كنت أركض قرب القصور، مبتهجةً بشكل غريب، بدأتْ تمطر. يا لتلك الفكرة، في نهاية الأمر - هذه الأشكال الصغيرة! سأتوه حين أحصيها. مَن أول مَن فكّر بها؟ كيف وصفها للآخرين؟ هناك على البحر تمطر أيضاً. لا تهطل على أحد».
هذه القصيدة هي أشبه بسؤال وجودي ينطلق من فكرة المغادرة للروح من العدم الذي كانت تسكنه، ثم تتلهّى بالمظاهر البرّاقة، وبفرح لا تحصى أنفاسه، ثم يداهمها الغيث وتتبدّل معالم السماء وتكفهر واجهة الفضاء، لتدرك بأنّ الكون لا يدور حولها فقط، بل هو موجود بلا فناء، وبلا مسمّى. وهنا تلجأ الكاتبة إلى السيرورات الدلالية للكشف عن المحدِّدات المضمرة في نسيج القصيدة، وقد تبذرت معانيها، لكنّها لم تتشظَّ بل رافقت التطنيب وفي نفس الوقت عمدت إلى الإيجاز، وهذه المفارقة الواضحة هي ما تصنع التميُّز الإدراكي في معالم شعرها.
لا منفذ
في قصيدة أخرى بعنوان «لا منفذ الآن» تكتب كارسون: «في نضال الأنفاس المستتب ضدّ الموت، يمنح نوم آخر. قبلنا عرْضاً على المنزل. أين الذي تبقى ممّا تبقى؟ بصمت (هناك) وريقات شجر ونوافذ على انتظار. حبل غسيلنا الفارغ، يقطع الليل المنحدر. ويصنع من الضوء السماوي رداء حداد لرثائهم. تتصاعد نداءات الملائكة والأطلال... بينما يستمر تدفّقهم عبر بوّابتنا المغلقة».
في هذه العبارات، تتراص الطبقات الدلالية واللسانية والميتافيزيقية، حيث تظهر الطبقة الوجودية، والنفسية، والرمزية، فيرتدي الضوء لباس العدم ويحتدم الصراع بين الشجن والزمن الفارغ الذي لا يُبقي على أحد، وتتبخّر أنفاس الحياة مع القدر الذي يترك مساحات الفراغ التي خلفها الغياب، وتحضر اللغة الرمزية المكثفة لتعبّر عن الحضور الوجداني في ذاكرة الحاضرين للغائبين الذين أعلن القلب حالة الشجب لفقدانهم. وحده الظل في خيال الشاعرة مَن يشكّل الخلفية التجريبية لتسكّعها النفسي الحميم بين تفاعل الإيحاءات والحركة الداخلية التي تدبّ كحركة المَوج في بحر القصيدة.
تجريد وتصوير
إنّ مبدأ الصورنة أو التجريد الذي ترفل به قصائد كارسون، قد منحها ترابطاً بين الداخل والخارج، حيث تواترت عندها ظاهرة الإحالة إلى المرجعيات الوجودية والاقتباس من الرمزية التصويرية، وجعل من السمة المكانية فيها وظيفةً سرديةً مترابطةً في التحكّم بأصول الفكرة التي تنطلق من هاجس التعبير النفسي لأفكارها.
ولم تصنع الجائزة تعابير التضمين اللساني لقصيدة كارسون، بل أضاءت ملامح عالمها الخاص الذي لا يجزم بوجود نسق مكاني أو زماني محدّد، في نسق من الأفعال المتقافزة بين القبول والرفض، والسؤال الذي قد يجد جواباً، مع نسق في الحروف الوصفية التي تبتعد عن التمطيط والتكرار، حتى تستطيع من خلالها أن تنتقل إلى مستوى السرد المجازي والموجز.
وهذه الحركة الكثيفة في تصاعد التوصيف تضع رسماً بنيانياً لقصائدها التي ترويها على شكل حكايات تطرح التساؤلات الوجودية، وتفوّض العدم حاكماً بينها وبين الأجوبة المنشودة، وتمنح إشارات تبدو قاصرةً عن بلوغ قمة التعبير، لكنها تبلغ ذروتها في توثيق ارتباط الانسان بالجذوة التاريخية للعالم المتقلّب على صفائح التغيير الدؤوب للحلقة الكونية الغامضة.