يمثل مشروع قناة الربط المائي المقترحة من ميناء العقير على الخليج العربي إلى مدينة الرياض، بطول تقريبي يبلغ 360 كم وبارتفاع يصل إلى نحو 600 متر فوق مستوى سطح البحر، تصورًا لمشروع إستراتيجي يمكن أن يتجاوز وظيفته التقليدية المتمثلة في نقل المياه ليصبح أحد مكونات منظومة الأمن المائي والتنمية الاقتصادية طويلة المدى في المملكة.
وتنبع أهمية المشروع من حقيقة أن المياه أصبحت عنصرًا أساسيًا لاستمرار النمو العمراني والاقتصادي في الرياض والمناطق الواقعة على امتداد المسار، في ظل محدودية الموارد المائية الطبيعية واعتماد المملكة بدرجة كبيرة على التحلية ونقل المياه من السواحل إلى المناطق الداخلية. وتؤكد الاستراتيجية الوطنية للمياه أن المملكة تواجه محدودية في المياه الجوفية غير المتجددة، وأن تكلفة نقل المياه المحلاة إلى الداخل تمثل أحد التحديات الاقتصادية للقطاع، كما تستهدف المملكة تعزيز أمن الإمداد، وتحسين الكفاءة، وتنويع مصادر المياه.
الفكرة الاقتصادية الأساسية للمشروع هي نقل مصدر مائي كبير ومستقر من الخليج إلى قلب المملكة، بحيث تصبح المياه عنصرًا داعمًا للنمو الحضري والصناعي والزراعي والسياحي بدل أن يكون توفرها أحد القيود على التنمية. وإذا صُمم المشروع كمنظومة متكاملة تضم مصدر المياه، ومحطات المعالجة أو التحلية، وخزانات استراتيجية، ومحطات ضخ، والطاقة الشمسية، وشبكات التوزيع، فإن قيمته الاقتصادية لن تقتصر على قيمة المياه التي تصل إلى الرياض، وإنما ستشمل القيمة الاقتصادية للأنشطة التي يمكن أن تعتمد عليها بعد وصول المياه.
وتزداد أهمية هذه الفكرة عند النظر إلى التطور الحالي لقطاع المياه في المملكة. فوزارة البيئة والمياه والزراعة تشير إلى أن منظومة المياه الوطنية أصبحت تضم شبكة واسعة لنقل المياه المحلاة، وأن المملكة تستهدف الوصول إلى إمداد حضري يقارب 21 مليون متر مكعب يوميًا بحلول 2050، مع زيادة إعادة استخدام المياه المعالجة. كما تجاوزت الاستثمارات المعلنة في سلسلة قيمة المياه عشرات المليارات من الريالات، مما يؤكد أن المياه أصبحت قطاعًا استثماريًا واستراتيجيًا وليس مجرد خدمة عامة.
أهم منفعة اقتصادية للمشروع هي زيادة موثوقية إمدادات المياه لمدينة الرياض. فالمياه ليست منتجًا استهلاكيًا فقط، بل مدخل إنتاج لجميع القطاعات تقريبًا. وكل زيادة في موثوقية المياه تساعد على تقليل المخاطر التي تواجه الاستثمارات السكنية والصناعية والتجارية والسياحية. ويمكن للمشروع أن يوفر مصدرًا إضافيًا للمياه إلى جانب المصادر الحالية، وبالتالي لا يصبح النظام المائي معتمدًا بصورة مفرطة على مسار أو مصدر واحد. وهذا التنويع له قيمة اقتصادية بحد ذاته؛ لأن تكلفة انقطاع المياه أو انخفاض الإمدادات في مدينة بحجم الرياض قد تكون أكبر بكثير من تكلفة الاحتفاظ بطاقة نقل احتياطية. كما يمكن أن يؤدي المشروع إلى خفض المخاطر المستقبلية لتكاليف المياه. فالمملكة تنقل بالفعل المياه المحلاة لمسافات طويلة من السواحل إلى المناطق الداخلية، والاستراتيجية الوطنية للمياه نفسها تشير إلى ارتفاع تكلفة النقل وضخ المياه من السواحل إلى الداخل. الاستراتيجية الوطنية للمياه ولذلك فإن دراسة مسار جديد أكثر كفاءة، مع استخدام الطاقة الشمسية ومحطات ضخ موزعة وخزانات وسيطة، يمكن أن تخلق بديلًا استراتيجيًا طويل الأجل.
والأهم أن المشروع يمكن أن يصبح بنية تحتية اقتصادية مشتركة تخدم أكثر من قطاع. فالمياه التي تصل إلى الرياض يمكن أن تدعم الاستخدام المنزلي، والصناعات، والمناطق الاقتصادية الجديدة، والسياحة، والخدمات، وبعض الأنشطة الزراعية ذات القيمة العالية، بدل توجيه المياه مباشرة إلى الاستهلاك فقط.
ولا ينبغي النظر إلى المشروع باعتباره خطًا يصل بين نقطتين فقط: العقير والرياض. بل يمكن تحويل المسار إلى محور تنموي مائي جديد. فوجود مصدر مائي موثوق على امتداد 360 كم يمكن أن يدعم إنشاء مراكز عمرانية واقتصادية جديدة، ومناطق صناعية، ومجمعات لوجستية، ومشروعات سياحية، ومزارع حديثة، ومشروعات للطاقة المتجددة، ومناطق خدمات وصيانة. وبذلك يتحول المشروع من العقير إلى الرياض إلى محور متكامل يبدأ من العقير ويمتد عبر مراكز التنمية والمناطق الصناعية والزراعية والسياحية وصولًا إلى الرياض. وهذه النقطة قد تكون من أهم عناصر الجدوى الاقتصادية للمشروع، لأن جزءًا كبيرًا من العائد الاقتصادي قد لا يأتي من بيع المياه نفسها، وإنما من قيمة التنمية الجديدة التي يصبح توفير المياه ممكنًا لها.
وتتوسع الرياض بسرعة باعتبارها مركزًا اقتصاديًا وماليًا وسياحيًا وتقنيًا للمملكة. ولذلك فإن الأمن المائي سيصبح عنصرًا أساسيًا في قدرتها على استيعاب النمو السكاني والعمراني والاقتصادي. وتظهر الاستثمارات الحالية في قطاع المياه بالرياض حجم هذا الاحتياج؛ فقد نفذت المملكة مشاريع كبيرة لنقل المياه وتخزينها وتطوير الشبكات، كما وصلت كميات المياه الواردة إلى الرياض في مشاريع سابقة إلى أكثر من 3 ملايين متر مكعب يوميًا. ومن هنا يمكن النظر إلى قناة العقير–الرياض باعتبارها استثمارًا استباقيًا في القدرة المستقبلية للمدينة، وليس مجرد استجابة للطلب الحالي. وتحتاج الصناعات إلى إمدادات مضمونة من المياه، وخاصة الصناعات الغذائية والدوائية والكيميائية والتقنية وبعض الصناعات التحويلية. وتوفير مصدر مائي إضافي يمكن أن يساعد على زيادة القدرة الاستيعابية للمناطق الصناعية، وجذب استثمارات جديدة، وتخفيض مخاطر توقف الإنتاج بسبب نقص المياه، ودعم الصناعات المرتبطة بالمياه والطاقة، وتشجيع توطين تقنيات التحلية والمعالجة والضخ والطاقة الشمسية. كما يمكن أن يصبح المشروع نفسه سوقًا صناعية وطنية لتصنيع الأنابيب والمضخات والصمامات وأنظمة التحكم والخزانات ومحطات المعالجة والطاقة الشمسية وأنظمة المراقبة الرقمية. وهذا يتفق مع توجه المملكة نحو زيادة مشاركة القطاع الخاص وتوطين القدرات والابتكار في قطاع المياه.