في الثقافة، كما في الحياة، نميل إلى الإضافة أكثر مما نميل إلى الحذف. نحب أن نعلن عن مشروع جديد، ونحتفي بكتاب جديد، ونقيم فعالية جديدة، ونضيف عنوانًا آخر إلى قائمة طويلة من العناوين، وكأن قيمة المشهد الثقافي تقاس بما نضيفه إليه، لا بما نختار أن يبقى منه. لكن السؤال الذي نادرًا ما نطرحه: هل تحتاج الثقافة دائمًا إلى المزيد؟ ليست المشكلة في كثرة الإنتاج الثقافي، فالحراك لا يكون حيًا إلا بالحركة والتجدد، وإنما في غياب السؤال الأهم: ماذا يستحق أن يستمر؟ هناك مشاريع تبدأ بحماس كبير، ثم تفقد أسباب وجودها، وفعاليات تتكرر حتى يصبح تكرارها أقرب إلى العادة منه إلى الفكرة، وإصدارات كثيرة تمر سريعًا لأنها لم تجد من يراجع ضرورتها قبل أن تصل إلى القارئ. ومع ذلك نستمر في الاحتفاء، وكأن التوقف اعتراف بالفشل، وكأن المراجعة انتقاص من الجهد الذي بذل. في الثقافة، قد يكون الحذف فعلًا من أفعال البناء. حين نوقف مشروعًا لم يعد يحقق غايته، فإننا لا نهدم الثقافة، بل نمنح مساحة لما هو أكثر جدوى. وحين نعيد النظر في فعالية فقدت قدرتها على الإضافة، فإننا لا نسيء إلى من أسسها، بل نحترم الفكرة التي قامت من أجلها. وحين نقول إن كتابًا ما لم يضف جديدًا، فإننا لا ننتقص من صاحبه، بل نعيد الاعتبار إلى قيمة الكتاب نفسه. المشهد الثقافي الناضج لا يخاف من المراجعة. بل إن المؤسسات الثقافية الأكثر وعيًا هي التي تمتلك القدرة على تقييم مشاريعها، وقياس أثرها، والاستماع إلى النقد، ثم اتخاذ قرار شجاع: نستمر، نطور، ندمج، أو نتوقف. وهنا تظهر أهمية الناقد الثقافي الحقيقي ، ليس دوره أن يصفق لكل شيء، وإنما أن يسأل: ماذا أضاف هذا؟ ولمن؟ وما الذي سيبقى منه بعد انتهاء المناسبة؟ لقد اعتدنا أن نقيس النجاح بعدد الحضور، وكثافة الأخبار، وحجم التفاعل، بينما هناك أسئلة أكثر أهمية: هل غيّر المشروع فكرة؟ هل صنع قارئًا؟ هل اكتشف موهبة؟ هل أوجد معرفة جديدة؟ هل ترك أثرًا يمكن أن يستمر بعد غياب أصحابه؟ الثقافة ليست معرضًا دائمًا لما أنتجناه، بل عملية مستمرة من الاختيار والغربلة، وقد تكون المرحلة المقبلة بحاجة إلى شجاعة من نوع آخر ، شجاعة ألا ننتج لمجرد الإنتاج، وألا نستمر لمجرد أننا بدأنا، وألا نحتفي بكل ما يظهر لمجرد أنه جديد. فليس كل ما يولد في الثقافة جديرًا بأن يعيش، وأحيانًا، يكون أعظم ما يمكن أن تفعله مؤسسة ثقافية ليس أن تضيف مشروعًا جديدًا، بل أن تمتلك شجاعة حذف ما لم يعد يضيف شيئًا وتتراجع عنه . فالثقافة لا تكبر بكثرة ما نضع فيها، بل بقدرتنا على معرفة ما يستحق أن يبقى.