الثـقــافـــة بـيــن المــال والفـكـــر

ليست كل مشكلة ثقافية سببها نقص المال، كما أن وفرة الميزانيات لا تعني بالضرورة وفرة الأثر. في المشهد الثقافي اليوم نماذج تستحق التوقف عندها ، جهات تمتلك الإمكانات، وتحظى بالدعم، وتملك القدرة على تنفيذ عشرات المشاريع، لكنها لا تزال عاجزة عن صناعة حضور يوازي ما تملكه من موارد. وفي المقابل، هناك جهات لا تملك وفرة المال، لكنها تملك ما هو أهم: الفكرة، والحماس، والقدرة على تحويل الإمكان المحدود إلى أثر واسع. المشكلة إذن ليست دائمًا في حجم الميزانية، وإنما في الطريقة التي تُدار بها الفكرة وتُنفذ بها المبادرات. بعض المؤسسات الثقافية والأدبية تستطيع أن تنفق كثيرًا، لكنها لا تعرف كيف تجعل ما تنفقه يصل إلى الناس؟ تنظم فعالية، وتنتهي الفعالية بانتهاء وقتها. تطلق مبادرة، فلا يسمع بها إلا عدد محدود فقط. تصدر برنامجًا، ثم لا تجد من يتابعه، وكأن النشاط الثقافي أصبح عندها مجرد إثبات أن شيئًا قد حدث، أو فعالية قد أقيمت، ولو كان ذلك بشكل متواضع، بلا محاولة حقيقية لصناعة أثر يستمر بعد حدوثه. هنا يظهر الفارق بين إدارة النشاط وإدارة الأثر في المؤسسات والجمعيات والأندية الثقافية والأدبية. الأولى تسأل: ماذا سنقيم هذا الشهر؟ أما الثانية فتسأل: ماذا سيبقى مما سنقيمه بعد عام؟ وهذا فارق في الفكر، لا تصنعه الميزانية، وإنما يصنعه الفكر الإداري الذي تُدار به الأمور والفعاليات لديهم. وفي الجهة الأخرى، نجد أندية وجمعيات ثقافية تمتلك أفكارًا تستحق أن ترى النور، وتملك شبابًا قادرين على صناعة المبادرات، لكنهم يصطدمون بحدود التمويل، فتظل بعض المشاريع الجميلة حبيسة الأدراج أو تنفذ بإمكانات أقل من طموح أصحابها. وهؤلاء لا يحتاجون إلى مزيد من الوعظ عن ضرورة الابتكار والخطط، إنهم يحتاجون إلى شريك يؤمن بالفكرة ويمولها. وأعتقد أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى إعادة تعريف العلاقة بين التمويل الثقافي والفكر الثقافي، فالممول لا ينبغي أن يبحث فقط عن جهة لديها قدرة على الإنفاق، وإنما عن جهة تعرف ماذا تريد أن تصنع بهذا الإنفاق ؟ والجهة الثقافية بدورها مطالبة بأن تقدم مشروعًا واضحًا، قابلًا للقياس، وقادرًا على الوصول إلى الناس، لا مجرد فعالية تضاف إلى سجل الإنجازات. ويلفت الانتباه الحضور المتنامي لأندية هاوي في المشهد الثقافي والأدبي، بما تحمله من طاقة شبابية وحماس وأفكار جديدة وروح مختلفة في صناعة الفعاليات والوصول إلى الجمهور. وما يميز هذه التجربة أن الشباب لا ينتظرون دائمًا أن تأتيهم الثقافة بالطريقة التقليدية المعروفة، بل يعيدون تقديمها بلغتهم، ويذهبون بها إلى مساحات جديدة، ويستخدمون أدوات التواصل الحديثة للوصول إلى جمهور أوسع. لذا استطاعت بعض الأندية أن تحقق انتشارًا لافتًا، وأن تتجاوز حدود المكان إلى حضور يتردد صداه على مستوى المملكة. وهذا النجاح يحمل رسالة مهمة للمشهد الثقافي كله: الشباب لا تنقصهم الرغبة، ولا الأفكار، ولا القدرة على الوصول ، ما يحتاجونه هو من يثق بهم ويفتح لهم الباب ويمنحهم الفرصة. ولعل أجمل ما يمكن أن يحدث في المرحلة المقبلة هو أن تلتقي الأفكار التي تبحث عن تمويل، بالتمويل الذي يبحث عن فكرة. عندها لن تكون الميزانية مجرد أرقام تُصرف، ولن تكون الفكرة مجرد طموح جميل في دفتر. ستتحول الموارد إلى مشاريع، والمشاريع إلى أثر، والأثر إلى ذاكرة ثقافية تستحق أن تبقى. فالثقافة لا تحتاج دائمًا إلى مال أكثر.. الثقافة أحيانًا تحتاج فقط إلى عقل يعرف أين يضع المال، وفكرة تستحق أن يوضع المال من أجلها.