التصفيق الذي يقتل الإبداع

ليس كل تصفيق دليل نجاح، ولا كل احتفاء علامة قيمة ودلالة تأثير. أحيانًا يكون التصفيق هو اللحظة التي يبدأ عندها الإبداع بالتراجع دون أن ينتبه أحد، لأن المشكلة ليست في أن يُحتفى بالمبدع، بل في أن يتحول الاحتفاء إلى حالة دائمة تمنعه من رؤية عيوبه، وتُشعره أن ما يقدمه بلغ حد الاكتمال. في كثير من المشاهد الثقافية والأدبية والإعلامية، أصبح التصفيق أسرع فيه من التأمل، والمجاملة أعلى صوتًا من النقد، والانبهار أسهل من المراجعة الحقيقية. ولهذا لم تعد بعض الأعمال تُقيَّم بعمقها أو أثرها، بل بحجم العلاقات المحيطة بها، وعدد من يصفقون لها، وقدرة صاحبها على البقاء داخل دائرة الضوء . المؤلم أن بعض المبدعين لا يسقطون بسبب ضعف موهبتهم، بل بسبب البيئة التي أحاطت بهم. بيئة تخشى أن تقول الحقيقة، وتعتبر أي نقد نوعًا من التقليل أو العداء، حتى أصبح البعض يعيش داخل صورة مثالية مصنوعة بعناية، بينما مشروعه الحقيقي يتآكل بهدوء حتى ينتهي . هناك فرق كبير بين الدعم وبين صناعة الوهم. الدعم يمنح الإنسان مساحة ليكبر، أما الوهم فيمنحه شعورًا زائفًا بأنه وصل، وأنه لم يعد بحاجة إلى مراجعة نفسه أو تطوير أدواته. وهنا تبدأ أخطر مراحل التراجع، حين يكرر المبدع فكرته الأولى عشرات المرات، ويعيد لغته ذاتها، وانفعاله ذاته، وطريقته ذاتها، لكنه لا يلاحظ ذلك لأن التصفيق ما يزال حاضرًا ومستمرًا . السؤال المهم هنا: كم موهبة توقفت عن التطور لأنها سُمعت أكثر مما ينبغي في وقت مبكر؟ وكم مشروعًا إبداعيًا مات لأن أصحابه اعتادوا الإعجاب السهل ولم يعودوا يحتملون الأسئلة الصعبة؟ بعض البيئات الثقافية تصنع مشكلة حقيقية حين تتحول إلى مساحات للمجاملة المتبادلة؛ أنت تصفق لي اليوم، وأنا أصفق لك غدًا، وهكذا يمتلئ المشهد بأعمال متوسطة محاطة بضجيج كبير، بينما تضيع الأعمال الحقيقية لأنها أقل قدرة على صناعة العلاقات أو التسويق لنفسها. الأخطر من ذلك أن التصفيق المستمر يخلق خوفًا خفيًا داخل المبدع نفسه. خوفًا من التجريب، من الاعتراف بالتراجع، من المغامرة خارج الصورة التي أحبها الناس عنه. فيبدأ تدريجيًا بتقديم ما يضمن القبول لا ما يؤمن به فعلًا، ويتحول الإبداع من مغامرة فكرية إلى عملية تكرار محسوبة تحافظ على التصفيق فقط. ولهذا نرى أحيانًا أسماءً بقيت سنوات طويلة في المشهد دون أن تضيف شيئًا جديدًا، فقط لأنها نجحت مرة، ثم عاشت طويلًا على نجاحها الأول. فالنجاح القديم قد يتحول أحيانًا إلى عبء، إذا جعل الإنسان أسيرًا لصورة يخشى أن تهتز. الإبداع الحقيقي ليس حالة ثابتة، بل قلق دائم. قلق يجعل صاحبه يسأل نفسه باستمرار: هل ما أقدمه اليوم يشبه ما قدمته بالأمس؟ هل ما زلت أضيف شيئًا حقيقيًا يستحق المتابعة ؟ هل أكتب لأن لدي ما يستحق أن يُقال، أم لأن الناس اعتادت أن تراني؟ هل بدأت أشعر بالتشبع والملل ؟ المبدع الحقيقي لا يخاف من النقد النزيه، لأنه يدرك أن أخطر لحظة ليست حين يُنتقد، بل حين يتوقف الجميع عن قول الحقيقة له والصدق معه ؟ فالتصفيق المستمر قد يمنح شعورًا جميلًا مؤقتًا، لكنه أحيانًا يسرق من الإنسان قدرته على رؤية نفسه بوضوح. ولهذا فإن بعض التصفيق لا يرفع المبدع.. بل يجمّده.!، يجعله يدور داخل النسخة القديمة من نفسه، بينما العالم يتغير، والأفكار تتغير، والناس تنتظر شيئًا أكثر عمقًا وصدقًا ودهشة. إن المشاهد الثقافية والأدبية والصحفية والإعلامية لا تحتاج دائمًا إلى مزيد من الاحتفاء، بل تحتاج إلى شجاعة المراجعة. تحتاج إلى من يقول العمل الجيد جيد، والعمل العادي عادي، دون خوف من خسارة العلاقات أو الاتهام بالقسوة. لأن الإبداع الذي يعيش على المجاملة طويلًا… يفقد قدرته على البقاء. أما الإبداع الحقيقي، فهو ذلك الذي يملك شجاعة أن يُراجع نفسه قبل أن يطالبه الناس بذلك. لذلك هناك فرصة للمراجعة والحضور والتأثير.