يتفق العالم على فن وجمال الخط العربي، فهو يصدُر عن لمسة فنية وممارسة جمالية، فإذا كان الفن نشاطاً إبداعياً يؤدي إلى إدراك مميز، فإن الحرف في الخط العربي يترجم لغة جمالية خاصة عند المتلقي، ويستثير الجميع بانعطافة وتعرجات انحناء حروفه ليشكّل حالة من الانفعالات المختلفة، التي تصنع الفارق ذوقاً وجمالاً، ويمنح الرائي إحساساً مختلفاً ويضعه في بيئات جمالية وحالة احتفالية مغايرة، فالخط العربي بجماله يعبر عن نسق وانتظام لعناصر تحمل في طياتها أبعاداً حقيقية لقيم الجمال، لأنه يتجاوز المعطى المشهدي المعاين إلى قيمة تعبيرية تستند إلى موروث فني وثقافي، ما يعني أن الخط العربي تسبقه فكرة، وأن الخطاط نفسه يقف أمام تحديات كبيرة ليتم بناء هيكل فني حقيقي تشمخ فيه شخصية أنواع الخطوط العربية، ومن ثم يستحق أن يكون لوحة خالدة تتداول في صالات المعارض الدولية، وفي وجهات الاستقبال، وفي المقرات الرئاسية للاحتفالات الدولية وغيرها، ولأن لوحات الخط العربي تعزز فكرة الفن عند الجمهور وترفع ذائقة الفرد وتوحي بشعور جميل وبحالة فردوسية، وتؤكد مدى سيادة الخط العربي على غيره؛ إن الخطاط العربي يحدد العلاقة بين الحروف في الإطالة رأسياً أو الإمالة على شكل قوس في الشكل الأفقي للحرف الواحد، وقد تتشابك الحروف وتوحي بعلاقة حميمة مع بعضها البعض، حين يحتضن كل حرف الآخر، وكل ذلك يكون بطريقة جاذبة في أفق التأثير عند الجميع، والذي يمنح معنىً خاصاً وحساً مختلفاً وبشحنة نهائية بعد اكتمال رسم الحرف وعلامات بنائه، وفي تلك اللمسات الفنية والجمالية التي ترتهن لمقدمات عديدة ومنها نوع الريشة ومادة الحبر المستخدم، وكذلك اسم الخط الذي سيُسطّر في اللوحة والمقاسات المتباينة بين المساحة المستطيلة والمربعة، ونوع المحتوى الذي سوف يُكتب ويدون ليكون الخط في شكله الفني وملمحه الجمالي ومضمونه الثقافي، وهذا ما يؤكد أن الخط العربي محكوم بنسق فني جمالي بديع يروق للمتلقي، ويلي ذلك المرحلة التالية التي ستمنح الثقافة مساحة واسعة، فهل سيكتب بيتاً من الشعر أو آية من القرآن أو حكمة مأثورة أو مثلاً سائراً، وهذا دون أدنى شك يمنح الرائي أفق تلق واسع ومختلف يتسع لخيال واسع ويدخله في مرحلة تالية تتأرجح بين عوالم فنية وجمالية، وأخرى روحانية وثقافية، وما أود أن أُشير إليه في هذه العجالة هو الجانب الثقافي؛ لأنها أي الثقافة مجال إبداعي واسع لكنها ترتهن لمدى قدرتنا على توظيفها في المجال العام، والخط العربي هو أحد تلك المساحات المهمة التي سوف تساهم في إشاعة وجه الثقافة المشرق، فكل ما ينقله الخط العربي هو جزء أصيل من ثقافتنا وإرثنا الحضاري، ويتجاوز فهمه وطرائق رسمه وأنواع خطوطه ليمنحنا نشاطاً ثقافياً مفتوحاً ويربطنا بعلاقات متعددة، واليوم بفضل رؤية سمو سيدي الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- ومضمون دورها اللافت، فقد نظمت دار عوضة بالأطاولة بمنطقة الباحة ملتقى ثقافياً عن الخط العربي تحت شعار ملتقى عرش الحرف لتحتفي بجمال الخط العربي بمشاركة نخبة من كبار الخطاطين من المملكة والعالم، وعلى ذلك نصل إلى غاية مفادها أن الثقافة يمكن أن تتسع وتتطور وتشيع في مجالات مختلفة ومتعددة حين نؤثر عليها بأفعالنا وأدواتنا لتنتظم ضمن سياق عام على شكل مريح ومتداول ليتكامل الجميع على اختلاف مستوياتهم الثقافية وتبايناتهم الاجتماعية ليعيشوا في كنف ثقافتنا فيما هو متداول في مساحات البعد الثقافي للخط العربي.