يظل مفهومنا قاصرٌ جدا حين نعتبر أن البادية هي تلك الأرض الجرداء التي لا معنى لها،وكذلك نجرد أهلها من كل قيمة حضارية وثقافية، وحين نصفهم برعاة للإبل على أهمية القيمة ذاتها للرعي، باعتباره تمرين عملي للقيادة والصبر وتحمل المتاعب،فالناس تجتمع في إطار العلاقة مع المشاق، وإذا افتقدت هذه المعاني خرجت من متوليات كَبَد الحياة، والبعض يرى أن البادية لا تتجاوز الخيام وبيوت الشعر، وهم بهذا الوصف يقعون ضمن تصور غالط، ويبتعدون عن المفهوم القيمي والأخلاقي والحضاري والثقافي للبادية والراحلين بها،لان إنسان البادية يجد نفسه كل يوم في الإقامة والضعن في إعادة تجربة جديدة تجعل من الحياة اليومية متغيرة تتداول مع الأمكنة وملامح الأشياء وتُخرِج الإنسان من حالة السكون والرتابة، فالجمود يجعل منه يفقد جوانب كثيرة حين يظل حبيس البيت لأربع جدران لأن الجمال ينتشر في أرجاء الوجود فيتحقق معه الوعي الجمالي، وكذا الوعي الديني والروحي من حيث جوهر الوجود، وكذا من حيث الانفعال بالكون وملكوت الله ومن هنا يتحول إلى حالة وعي بمستوى معرفي مفارق لغيره، وهو تحقيق لمعنى سيروا في الأرض، وتطوير لقدرة الذات على الاكتشاف من خلال التأمل والنظر، وهذا لا يمكن يتم في سياق ضجّة المدن وصخب تدافعها وضجيج حركتها، إلى جانب أن هناك بون شاسع بين مفهوم التمدن والتحضر،فالتمدن هو انتقال من البادية أو الريف إلى المدينة التي تكتظ بالعمران وتعج بالكثافة البشرية بمعنى أنها أنماط جديدة مختلفة ومتنوعة، لكنه يظل انتقال جغرافي في جوهره، وهو تغير في حقيقة المكان وليس في طبع الإنسان وصفاته، ويظل المفهوم الحضاري والثقافي ملازم للإنسان في البادية والمدينة، لان الحضارة في إحدى تعريفاتها أنها ثمرة جهد الإنسان فكريا وعضليا، وقد لا أختلف مع البعض أن المدينة قد تغير بعض المنظومات الثقافية بحكم طبيعة الحياة واختلاف النمط السائد فيها، وبما يتداخل فيها من علاقات أخرى مؤثرة في المنظومة السلوكية والقيمة والثقافية،لكن البدوي لا يتنصل من الطباع والعادات والتقاليد، فالوفاء والنبل والكرم تظل قصة لحياة خاصة تجعل منا ندرك هذا في تعبيرٌ آخر لوجه الصدق ونقاء السريرة، الأمر الذي يُبرز هذه الشخصية البدوية لتكون مادون الكمال فتتجلى بالأمانة والإخلاص والوقوف على المبدأ مهما كلفها الأمر، ومن هنا ندرك الفرق بين المدينة والبادية وبين الحياة الحضرية والحياة في الصحراء، فقد مثلت البادية سمات الصبر عند النبي يعقوب عليه السلام، ومثلت المدينة حالة الطغيان حين زُجّ بنبي الله يوسف عليه السلام في السجن، لندرك واقع المسافة بين البادية والراحلين بها وبين صخب المدينة والتدافع فيها.
إنسان البادية كان ولا يزال يشكل القيمة الحضارية والثقافية، والممتدة إليه من واقع الجغرافيا والتاريخ ويحمل قِيم الشيمة والفزعة والنخوة وترسّخت كل هذا المفاهيم وأصبحت قيما أخلاقية شائعة عند البدو، بل أن من يتوانى عن دوره الاجتماعي يذم ويلام ويكون في دائرة التقصير والخطيئة، ولا يمكن على الإطلاق أن تزدهر الثقافة خارج إطار المعارف القادمة من الصحراء والبادية التي كانت بداية للمعرفة، بل تجاوزت ذلك إلى رسالة الروح بعد أن انطلقت منها رسالة السماء حينما آنس النبي موسى عليه السلام النار في عرض الصحراء، وقبل ذلك أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام حين اسكن أهله بوادي غير ذي زرع ،ولن استطرد في الحديث، ولكن مع اختلاف المفاهيم وازدواجية المعايير أرى أن ثمة حاجة قصوى في فضاءات متعددة أصبحت بحاجة لتوصل لها رسالة فكرية ومعرفية حول مفهوم البادية والصحراء ليمتد هذا الفكر طولا وعرضا لنؤكد من خلاله أن البادية هي أصل المعرفة، فقد تعاجل أهل الحواضر في خطاهم نحو البادية من بغداد ومن الكوفة والبصرة وغيرها من الحواضر العربية للبادية لجمع الحكم والأمثال والشعر واصلوها، وأصبح الدرس قائم عليها إلى يوم الناس هذا، ولا يزال هو المشروع الفكري والمعرفي والثقافي الذي انتقل إلى جامعات العالم.