الانتعاش حقيقي… لكنّ تمويل السكن لا يزال قاصراً في بيروت

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

أمضى سوق العقارات اللبناني الأشهر الأولى من عام 2026 وهو يستوعب صدمة تجدّد النزاع. فقد أشارت وحدة الأبحاث الاقتصادية في Credit Libanais إلى تراجع عدد المعاملات العقارية بنسبة 32.25 في المئة على أساس سنوي خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام، لتبلغ 19,097 معاملة مقابل 28,189 في الفترة نفسها من العام السابق، مع انخفاض القيمة الإجمالية للمعاملات بنسبة 17.79 في المئة. وربط المصرف هذا التباطؤ مباشرةً بالمعارك التي عادت واندلعت في مطلع آذار.

أمّا التعافي فجاء سريعاً حين حصل. إذ سجّل Credit Libanais أولى بوادر التحوّل في أيار، مع ارتفاع المعاملات بنسبة 4.64 في المئة على أساس شهري بعد إعلان وقف إطلاق النار في منتصف نيسان. ثم تسارعت الوتيرة بقوة في حزيران لتبلغ 4,999 معاملة، بحسب قراءة بنك بلوم إنفست لبيانات السجل العقاري، قبل أن يضيف تموز 6.18 في المئة إضافية ليصل إلى 5,308 صفقات، وهو أعلى مستوى شهري مسجَّل حتى الآن في 2026، وفق أحدث قراءة لـ Credit Libanais لبيانات السجل العقاري.

غير أنّ هذا الانتعاش لا ينبغي الخلط بينه وبين تعافٍ كامل. فـالأرقام التراكمية لـ Credit Libanais تُظهر تسجيل 29,404 معاملة عقارية حتى تموز، أي بانخفاض لا يزال يبلغ 25.54 في المئة عن 39,490 معاملة سُجّلت في الفترة ذاتها من عام 2025. لكن قيمة المعاملات تراجعت بنسبة أضيق بكثير بلغت 5.36 في المئة، عند نحو 3.25 مليار دولار. وبالنسبة إلينا نحن الناشطين في السوق، كان التحوّل ملموساً قبل أن تؤكّده الأرقام الأخيرة: فالاستفسارات التي خفتت خلال اضطراب الربيع بدأت تتحوّل مجدداً إلى صفقات مع استقرار الأوضاع.

أمّا التمويل فيروي قصة أبطأ إيقاعاً. فمصرف الإسكان، الجهة المدعومة من الدولة التي أعادت إطلاق برنامج القروض السكنية المدعومة في 2024 بعد أكثر من خمس سنوات من التعليق، وسّع نشاطه تدريجياً. وحتى الثاني من تموز، كان قد منح 1,059 قرضاً بقيمة 74 مليون دولار، بينها 980 قرضاً لشراء شقق بقيمة 68.9 مليون دولار، بحسب أرقام مصرف الإسكان.

كما خفّض المصرف الفائدة السنوية على القروض المموّلة عبر الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي من 6 في المئة إلى 5.75 في المئة اعتباراً من الأول من تموز، بعد أن تنازل مصرف لبنان عن عمولة إدارية بنسبة 0.25 في المئة. وكان خط الائتمان المخصّص من الصندوق العربي، بقيمة تناهز 165 مليون دولار، قد مكّن مصرف الإسكان أصلاً من رفع سقف القرض السكني المدعوم من 50 ألف دولار إلى 100 ألف دولار في عام 2025.

إنه تقدّم حقيقي، لا سيّما للأسر ذات الدخل المحدود والمتوسّط التي صُمِّم البرنامج لدعمها. لكنّ حجمه يبقى متواضعاً قياساً إلى اتّساع سوق العقارات في لبنان. فبالنسبة إلى كثير من المشترين، خصوصاً الباحثين عن سكن في أغلى مناطق البلاد، يظلّ توافر التمويل وحجمه قيداً كبيراً.هنا تلتقي مسألتا التمويل وأسعار العقارات. إذ تساعد بيانات «اتجاهات ورؤى السوق» من DoorEast، التي تتتبّع الأسعار المعلَنة عبر مئات المواقع، في إظهار المناطق التي يكون فيها برنامج سكني موجَّه مثل مصرف الإسكان أكثر جدوى.

ففي المناطق الأيسر كلفة، تبلغ متوسّطات الأسعار المعلَنة نحو 842 دولاراً للمتر المربّع في دوحة عرمون، و972 دولاراً في جبيل، و1,378 دولاراً في الدكوانة، و1,744 دولاراً في جونيه. عند هذه المستويات السعرية، يمكن لمصرف الإسكان أن يقدّم مساهمة فعلية للأسر المؤهَّلة التي تشتري مسكناً رئيسياً مستوفياً للشروط. والحدّ الأقصى للقرض يصل إلى 100 ألف دولار، لكنّ المبلغ المتاح يتوقّف على وضع المقترض وعلى شروط الأهلية في البرنامج.

أمّا الصورة فتختلف كلياً في مناطق بيروت الأعلى سعراً. فبيانات DoorEast تضع متوسّط الأسعار المعلَنة عند نحو 3,091 دولاراً للمتر المربّع في الأشرفية، ونحو 3,700 دولار في الـ Carré d'Or، و4,415 دولاراً في رأس بيروت، و6,402 دولار في داون تاون بيروت. في هذه الأسواق، لا يشكّل القرض المدعوم الموجَّه سوى جزء محتمل واحد من معادلة التمويل، وهو غير مصمَّم لتغطية المجال الكامل من عمليات الشراء.

هذه أسعار معلَنة وليست أسعار بيع مُنجَزة. وقد تختلف الأسعار الفعلية للبيع تبعاً للتفاوض ولخصائص العقار نفسه من حيث العمر والحالة والطابق والإطلالة والتشطيب والموقع الدقيق.ولمن يرغب في استكشاف السوق بشكل أوسع، يمكن تصفّح العقارات المعروضة للبيع والإيجار في مختلف المناطق اللبنانية عبر منصة DoorEast.

لهذا السبب، لمصرف الإسكان وللقطاع المصرفي الأوسع دوران مختلفان. فمصرف الإسكان خيار تمويلي مهمّ للأسر والمساكن التي تنطبق عليها شروط برنامجه. لكن في الأسواق الأعلى قيمة، يحتاج لبنان في نهاية المطاف إلى عودة القطاع المصرفي التجاري إلى الإقراض العقاري المستدام والطويل الأجل.

وقد تكون هذه العودة الأوسع للقروض العقارية من أهمّ العوامل في المرحلة المقبلة من تعافي سوق العقارات. فالمعاملات قد تنتعش بالاعتماد على المشترين النقديين، لكنّ سوقاً أعمق وأكثر استدامة تحتاج إلى تمكين مزيد من الأسر من تمويل شراء منازلها. مصرف الإسكان جزء مهمّ من هذه القصة؛ أمّا سوق رهن عقاري فاعلة، فمن شأنها أن توسّعها لتشمل شريحة أوسع بكثير من المشترين والعقارات.