في ركن هادئ من صالات المغادرة، تجلس حكايات البشر مصبوبة في قوالب من حقائب صغيرة متراصة. هناك، يرتشف طالب قهوته الأخيرة قبل العودة إلى مقاعد جامعته في الخارج، ويراجع أب لهفته وهو يعد الدقائق التي تفصله عن عناق أطفاله بعد غياب، ويمسك مريض بملفه الطبي كطوق نجاة أخير وهو يسافر بحثاً عن أمل في الشفاء. للمطارات المدنية فلسفة خاصة؛ إنها لست مجرد كتل خرسانية أو مدارج إسفلتية، بل هي الفضاء الإنساني الذي تواضع العالم على اعتباره «مساحة محايدة للعبور الآمن».
لكن، حين يقتحم العنف هذا الفضاء، فإنه لا يضرب أهدافاً عسكرية أو استراتيجية كما تدعي آلة الحرب، بل يضرب الطمأنينة في مهدها، ويصيب حياة الناس في أدق تفاصيلها اليومية. يتحول انتظار الرحلة من ترقب مبهج للقاء إلى قلق وجودي على المصير، ويغدو السؤال الروتيني عن موعد الإقلاع سؤالاً حائراً عن السلامة الشخصية والنجاة من الموت.
إن الاعتداءات الإرهابية المتكررة التي شنتها جماعة الحوثي على المطارات المدنية في المملكة، وفي مقدمتها مطار الملك خالد الدولي باستهداف منشآته وطائرات الخطوط السعودية، تعيد إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً يتجاوز جرد الخسائر المادية: ماذا يعني أن تتحول المرافق التي يعتمد عليها ملايين البشر في معاشهم وسفرهم وأرزاقهم إلى بنوك أهداف للعنف الأعمى؟
حين تتوقف حركة الطيران بفعل مقذوف أو مسيّرة متفجرة، قد تسارع الأطقم الفنية لإصلاح الأضرار وتُستأنف الرحلات خلال ساعات، وتتغير الأرقام في شاشات الأخبار، لكن الأثر النفسي والسياسي يظل غائراً. إن تعريض المدنيين للخطر بشكل متعمد وممنهج ليس مجرد تكتيك عسكري، بل هو محاولة بائسة لتحويل الاحتياجات الأساسية للبشر إلى أوراق ضغط سياسي ومساومة في صراعات لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
هذا السلوك العبثي قوبل برفض إقليمي ودولي حاسم؛ حيث توالت الإدانات من الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، وبيانات وزارات خارجية الدول العربية الصارمة، والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش والمبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، التي لم تقف عند حد إدانة الاستهانة بأرواح الأبرياء، بل أكدت على مبدأ ثابت وهو رفض المساس بسيادة المملكة وأمنها، والوقوف التام معها في كل ما تتخذه لحماية استقرارها ومواطنيها والمقيمين على أرضها.
لم يعد المطار في العصر الحديث مرفقاً محلياً معزولاً. إنه قلب نابض تتصل بشرايينه أعمال التجارة، وخبرات الاستثمار، والشحنات الطبية العاجلة التي تنقذ الأرواح، والروابط العائلية الممتدة عبر القارات. لذلك، فإن آثار أي هجوم إرهابي تتسع دوائره لتتجاوز حدود الجغرافيا المباشرة للمكان؛ إذ تتأثر سلاسل الإمداد، وتتغير مسارات الملاحة الجوية الدولية، وتتحمل المؤسسات والأسر أعباء مالية ولوجستية إضافية باهظة.
علاوة على ذلك، فإن سلامة الطيران المدني تمثل منظومة عالمية مقدسة، بُنيت على مدار عقود من المعاهدات والقواعد المشتركة والاتفاقيات الدولية «مثل اتفاقية شيكاغو» التي صممت لحماية الأجواء المدنية. وبالتالي، فإن أي صاروخ أو مسيّرة تستهدف مطاراً في أي بقعة من العالم، هي في حقيقتها شظية تصيب ثقة المسافرين في هذه المنظومة الدولية ككل، وتهدد أمن الملاحة العالمية التي يرتكز عليها الاقتصاد البشري.
تكشف هذه الهجمات عن خلل بنيوي وأخلاقي عميق في علاقة الجماعات المسلحة، كجماعة الحوثي، بمفهوم السياسة وإدارة الحكم. فالسياسة في جوهرها هي «فن رعاية مصالح الناس وحماية حياتهم وتوفير شروط نماء المجتمعات». أما عندما يتحول أمن المدنيين وسلامة المنشآت الخدمية إلى أدوات للمقايضة والابتزاز، فإننا نكون أمام جماعة أسقطت من حساباتها كل المعايير الإنسانية.
وفي قراءة سياسية معمقة، يمكن تفسير استهداف الحوثيين للمرافق المدنية في المملكة وفي دول الجوار بأنه انعكاس صارخ لأزمتهم الداخلية الخانقة، وإفلاس تام لأدواتهم في السياسة الخارجية. فاللجوء إلى لغة التهديد وترويع الأبرياء يوحي بعجز بنيوي عن تقديم مشروع وطني حقيقي يقنع الداخل اليمني أو يطمئن المحيط الإقليمي. إن إحداث الضرر والتعطيل قد يمنح الجماعة حضوراً عابراً في نشرات الأخبار، لكنه حتماً لا يصنع شرعية سياسية، ولا يقدم إجابة واحدة لمعاناة الشعب اليمني واحتياجاته اليومية.
الشرعية الحقيقية تُنتزع بالبناء، بتقديم الخدمات، بإنعاش الاقتصاد، وبقبول الناس ورضاهم، وليس بإرسال الصواريخ الباليستية والمسيّرات لضرب مطارات ومنشآت حيوية يقصدها الناس العاديون كل يوم. واليمن بتاريخه العريق، وتنوعه الثقافي والاجتماعي، ومستقبل أجياله أكبر بكثير من أن يُختزل في مشروع تنظيم مسلح يريد إخضاع بلد كامل لإرادته بالقوة الحتمية والسلاح المنفلت.
أمام هذا التهديد المستمر، لم يعد كافياً أن يقتصر دور المجتمع الدولي على إصدار بيانات القلق والشجب. إن المجتمع الدولي، بمؤسساته وقواه الفاعلة، يواجه اختباراً حقيقياً لفرض القانون الدولي الإنساني. تقع على عاتقه مسؤولية التحرك العاجل والمنسق لوقف هذا العبث المنظم بالبنية التحتية الأساسية للحياة في المنطقة.
ويتطلب هذا التحرك اتخاذ إجراءات عملية تشمل ملاحقة المسؤولين عن التخطيط والتمويل والتنفيذ لهذه الهجمات باعتبارها جرائم حرب، ويتطلب أيضاً الحد من قدرات الجماعة على التسلح والحصول على التقنيات العسكرية للمسيّرات والصواريخ، كما يتطلب أيضاً بناء سجلات قانونية وفنية واضحة لكل اعتداء لحفظ حقوق المتضررين أمام الهيئات الدولية.
إن المطارات، والموانئ، ومحطات الطاقة هي شرايين الحياة للمجتمعات المعاصرة، والتساهل في ردع من يستهدفها يهدد بتحويل هذا السلوك الإجرامي إلى «أمر واقع» يُدار بالتصريحات السياسية الرمادية، وكل تهاون في الردع اليوم هو بمثابة ضوء أخضر لاعتداءات أوسع وأكثر جرأة غداً.
إن القيمة الحقيقية لأي استجابة سياسية أو عسكرية تكمن في قدرتها على حماية أرواح البشر، وصون فرص السلام الحقيقي المستدام. ورغم أن عودة الحركة إلى المطار المتضرر وبث الطمأنينة في نفوس المسافرين يمثل انتصاراً للحياة، إلا أنه لا يمحو الخسائر الإنسانية، ولا يعفي الجناة من المسؤولية الجنائية والأخلاقية.
عندما يتحول المطار وهو رمز السفر والحرية والاتصال إلى خط مواجهة، ينكشف الوجه البشع لتحويل حياة الناس إلى مجرد وسيلة ضغط. ستبقى قوة أي مشروع سياسي مقاسة بما يوفره للإنسان من أمن وفرص للمستقبل، وفي نهاية كل رحلة، يظل هناك دائماً شخص ينتظر آخر بشوق، وبين بوابات المغادرة وأرصفة الوصول ثمة حق إنساني بسيط وعميق ومقدس وهو أن يمضي الناس إلى وجهاتهم وأحلامهم بسلام.
في ركن هادئ من صالات المغادرة، تجلس حكايات البشر مصبوبة في قوالب من حقائب صغيرة متراصة. هناك، يرتشف طالب قهوته الأخيرة قبل العودة إلى مقاعد جامعته في الخارج، ويراجع أب لهفته وهو يعد الدقائق التي تفصله عن عناق أطفاله بعد غياب، ويمسك مريض بملفه الطبي كطوق نجاة أخير وهو يسافر بحثاً عن أمل في الشفاء. للمطارات المدنية فلسفة خاصة؛ إنها لست مجرد كتل خرسانية أو مدارج إسفلتية، بل هي الفضاء الإنساني الذي تواضع العالم على اعتباره «مساحة محايدة للعبور الآمن».