في الأول من أيار عام 1949 أعلن المعلم كمال جنبلاط في مؤتمر صحافي في منزله في فرن الشباك رسميا ولادة الحزب التقدمي الإشتراكي. وفي اليوم التالي كتب غسان تويني في صحيفة النهار العريقة مقالا جاء فيه: "لو تحقق برنامجُ هذا الحزب، لكانت الجنةُ أنزلت على الأرض"!
فقد كانت مبادئ الحزب نتاج فكر إنساني متقدم في عصر الأفكار والايدلوجيات، وفي زمن الأحزاب العقائدية الكبرى التي شكلت بداية تحول كبير في المفاهيم. ليقدم كمال جنبلاط حينها نموذجا مختلفا نحو "إشتراكية أكثر إنسانية"، ومقدما أفكارا رائدة لبناء مجتمع على أساس الديموقراطية الصحيحة تسود فيه الطمأنينة الإجتماعية والعدل والرخاء والسلم، ويؤمّن حقوق الإنسان. إذ تتمحور مبادئ كمال جنبلاط الإنسانية حول "الاشتراكية الإنسانية"، التي تجعل الإنسان محوراً لكل عمل سياسي، مؤمناً بالعدالة الاجتماعية، والمساواة، ونصرة الفقراء والمهمشين. وتدعو إلى دولة علمانية مدنية تخرج لبنان من الطائفية، تبنى نهج اللاعنف، والالتزام بقضايا الحرية والكرامة الإنسانية.
اشتراكية كمال جنبلاط الإنسانية تُعتبر مذهبا فكريا وسياسيا يضع الإنسان وكرامته في مقدمة الاهتمام، فهو الهدف الأسمى والأرقى. وهو رؤية أخلاقية تهدف إلى إعادة تنظيم المجتمع لتحقيق العدالة الاجتماعية، والمساواة، والتعاون التضامني بين أفراده، بعيداً عن الاستغلال والطبقية.
إن أبرز مرتكزات الاشتراكية الإنسانية بمنظور كمال جنبلاط، جعل الاشتراكية "روحية" تنبع من النفوس والوعي الأخلاقي، لا مجرد نصوص جافة. فيما العدالة الاجتماعية والمساواة في منظوره هي نصرة الفقراء، والمهمشين، والعمال، والمزارعين، والعمل على إنصافهم وتأمين حقوقهم. أما التكافل والتعاون فهي في تبنيّ مبدأ أن الإنسان كائن اجتماعي ينمو ويتطور عبر التعاون الجماعي لخدمة الصالح العام. ومن هذه المرتكزات ايضا، رفض الاستغلال. أي السعي لإنهاء الظلم الطبقي والتمييز، وتبنيّ قيم العدل والإخاء. وفي مفهوم الدولة المدنية العلمانية عند المعلم، محاربة النظام الطائفي الذي يكرس التبعية، والمطالبة بدولة المواطنة.
لقد كانت الاشتراكية في فكر كمال جنبلاط، "حباً وعدلاً" وتجسيداً للمبادئ الأخلاقية في خدمة المجتمع، وليست مجرد تأميم لوسائل الإنتاج. وشكلت الحرية عنده أساسا في نظرته، إذ تنبع من الإغناء التام للكائن البشري وانعتاقه من العمل، وتحرره من الضغوطات والأغراض الجسدية والمعنوية. "إنّ تحقيق هذه الغاية يتطلب منكم التزامًا تامًا في الحياة، فلا يحقّ لكم الهروب من معركة البحث عن الحقيقة".
في مقاله الشهير بعنوان "لماذا أنا إشتراكي". قدم كمال جنبلاط رؤية متقدمة:
لأنني أشعر إن عدلت مع غيري فكأنني عدلت مع نفسي، وإن ظلمت غيري ظلمت نفسي...
لأنني أنزع إلى التوافق مع الجميع والإنسجام الشامل...
لأنني أعتقد أن الإشتراكية روحيّة يجب أن تتحقق في النفوس فوق وقبل تحققها في الأنظمة والمؤسسات...
لقد أرسى كمال جنبلاط من خلال مبادئ الحزب التقدمي الاشتراكي التي وضعها أساسا فكريا متينا لبناء مجتمع متقدم، لم يأتي المفكرون والفلاسفة بمثلها، من حيث النظرة الى الانسان الذي هو الغاية من وجهة نظره.
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.
رياض تقي الدين… سيرة وطنية بين الجيش والفكر والإنسان
وجيه أندراوس… اسمٌ حُفر في وجدان التقدميين
دريد ياغي المبشّر والوفي لمبادئ كمال جنبلاط
جنبلاط ومشروع السيادة الفعلية.. ١٤ آذار محطة
محسن دلول... من كمال الى رفيق مسيرة سياسية حافلة