من حق الرأي العام استعجال الخبر، بل إن ذلك متاح له وعلى الهواء مباشرة، ولا ينتظر أي تصريح من أية جهة مسؤولة لتدقق في صحته وسلامته، أو تقرر ما إذا كان نشره جائزاً أم لا، فمن الموقع يبث الحدث مباشرة، عبر هواتف من هم موجودون في قلب الحدث، ويصل في الوقت نفسه إلى جميع الهواتف في أي بقعة من العالم.
هذا ما حدث بالنسبة لحادث طائرة «فلاي دبي»؛ حيث شاهدنا عدداً من اللقطات من داخل الطائرة، منها ما يخص الطيار، ومنها ما يخص طاقم الضيافة، ومنها ما يخص الركاب، واستمعنا إلى شهادات بعض الركاب وأقوالهم كما هي دون أن تخضع للتدقيق والتمحيص، وفي هذا تسابقت وسائل الإعلام التقليدية والمنصات الرقمية في نقله، وهذا من حقها أن تتنافس على السبق فيما بينها، إنما هل من حقها أن تتنافس على استباق نتائج التحقيق؟ وهل ما عُرض وما توفّر من لقطات كافٍ للوصول إلى الاستنتاجات النهائية؟ بالتأكيد لا. والدليل تضارب تلك الاستنتاجات، على الرغم من أن اللقطات هي ذاتها، ولكن كل سلّط الضوء على ما يرغب ويشتهي، ووصل إلى استنتاجاته، ولن نحصل على الحقيقة إلا بعد أن يستوفي التحقيق كاملاً بجميع الملابسات، ويتاح للمحققين الاطلاع على ما قبل الحادث وما بعده.
أما هذا الكم الهائل من التحليلات والاستنتاجات التي عرضت إعلامياً، والتي جاءت على لسان طيارين ومضيفين وعسكريين ومحامين فهو مضيعة للوقت، وهدر للمنطق والعقلانية، ومساس بالحقيقة، وتضليل للرأي العام.
التنافس يجعلنا نتنازل عن الكثير من المبادئ والقيم الإعلامية ومواثيق الشرف التي تعهدنا بها، وأحياناً الهوى السياسي يتدخل فينحرف بالتحليلات والاستنتاجات وفق ما يحب ويتمنى المرء، فننزلق في مهاوي تعزيز الخلافات البينية، ونفتح باباً للمزايدة وخلط الأوراق، وكل ذلك من أجل السبق الإعلامي، والاستحواذ على المشاهدة والمتابعة.
هذا الحادث تحديداً مختلط لجهات الاختصاص ما بين ملاك الطائرة وجنسيات الطيارين وجنسيات الركاب، وموقع الحدث في المجال الجوي ونزولها في مكان. جميع تلك المعطيات عددت جهات تتداخل اختصاصاتها في الحادث، أضف إليها الظروف التي تُحيط بالمنطقة، ما يجعل من الحدث الحالي الأكثر تعقيداً وتشابكاً، فيضع ذلك عبئاً كبيراً، لا على مَن يتحدث ومَن يحلل، بل على مَن ينقل ومَن يعرض، لأنها مسألة تترتب عليها تبعات كبيرة أيضاً، فهل تملك وسائل الإعلام -العربية على الأقل- القدرة على كبح جماح التنافس، والتمسك بأهداب المواثيق الشرفية في خضم هذا السباق المحموم بينها؟ أم أن ذلك الطلب ترف وخيال عصري لا نملك التباهي به؟
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة