الإبـــــريــــز

ليست كل الكلمات التي تسكن المعاجم سواء؛ بعضها يصف شيئًا نراه، وبعضها يفتح لنا بابًا إلى معنى أبعد من ظاهر اللفظ. ومن تلك الكلمات كلمة الإبريز؛ لفظة قليلة الدوران في حديثنا اليوم، كثيرة الدلالة في تراثنا. الإبريز هو الذهب الخالص الصافي، والقطعة منه «إبريزة». ويقال: ذهبٌ إبريز، أي بلغ من النقاء مبلغًا لم يبقَ فيه ما يشوبه أو ينقص من صفائه. وقد أثبت مجمع اللغة العربية بالقاهرة هذا المعنى، وجعل «الإبريز» في أحد وجهيه من مادة «برز». ومن هنا تبدأ الحكاية اللغوية. فقد ذهب ابن جني إلى أن «إبريز» على وزن «إفعيل» من «بَرَز»، وعدّ الهمزة والياء زائدتين؛ فكأن الذهب الإبريز هو الذهب الذي برز خالصًا ظاهرًا بعد أن أزيل عنه ما يشوبه. وذكر ابن منظور في «لسان العرب» هذا التحليل صراحة، ونقل عن ابن الأعرابي أن الإبريز هو الحلي الصافي من الذهب. غير أن المسألة لا تخلو من خلاف؛ فقد أورد ابن دريد «ذهب إبريز» في الألفاظ التي لم يحسبها عربية محضة، كما نُسبت الكلمة في بعض الدراسات إلى أصول أعجمية، وقيل: إلى اليونانية، وقيل: إلى الفارسية. لذلك تبدو المسألة أوسع من أن تُحسم بعبارة واحدة. وما يعنينا هنا أن اللفظة دخلت العربية قديمًا، واستقرت في معاجمها، وجرت على ألسنة شعرائها وكتب تراثها، حتى غدت جزءًا من نسيجها اللغوي. ولعل أجمل ما في «الإبريز» أن حضوره في التراث العربي لم يكن حضورًا معجميًا عابرًا؛ فقد ورد في الحديث الشريف في تشبيه بليغ، حين شُبّه الإنسان الذي خلّصه الله من السيئات بالذهب الذي يخرج من النار إبريزًا خالصًا. كما استعمله النابغة في وصف الحلي المزيّن بالإبريز. وهنا تتحول الكلمة من وصف معدن إلى وصف معنى. فالذهب لا يُعرف إبريزًا لمجرد أنه ذهب، وإنما بعد أن يُختبر ويُصهر وتُفصل عنه الشوائب. النار هنا تكشف حقيقة الذهب. كما يكشف البلاء حقيقة الإيمان. ولذلك كان في اللفظة ما يتجاوز الذهب نفسه: النقاء لا يُثبت نفسه بالادعاء، وإنما يظهر حين يمر صاحبه بما يكشف معدنه. كم من شيء يبدو لامعًا قبل الاختبار، ثم تكشف الأيام أن لمعانه كان على السطح فقط! وكم من إنسان يظل هادئًا مستور المعدن، حتى تأتيه محنة أو موقف أو مسؤولية، فإذا به يخرج من التجربة أصلب وأصفى وأصدق مما كان. ولعل هذا ما جاءت به الصورة التراثية بالغة التأثير: كالذهب الإبريز، فليس المهم أن نبدو كالذهب، المهم أن نكون حين تأتي النار إبريزاً.