بناء الهوية يبدأ من شاشة الطفل، ففي صغري، ومن هم في عمري أو أصغر مني، عشنا طفولة جميلة، وكان من أجمل لحظاتها متابعة أفلام الكرتون، أو كما تُعرف اليوم بالأنيميشن، من في جيلي يتذكر انتظار حلقات سندباد، والليث الأبيض، والرجل الحديدي، وجرندايزر، وعدنان ولينا، وفلونة، وهايدي، وسنان، ونحول، إضافة إلى ميكي ماوس وبلاك بانثر، وغيرها من الأعمال التي شكّلت جزءاً كبيراً من خيالنا البريء، وأسهمت في غرس قيم الصداقة، والشجاعة، والإصرار، واحترام الأسرة والعمل، تجولت للحظات في بعض أعمال الأنيميشن التي يشاهدها أطفال اليوم، فوجدت فروقات كبيرة، إذ إن كثيراً منها يمتلئ بالعنف أو الرسائل غير الإيجابية، وهو ما يحز في النفس، لذلك كتبت هذا المقال، فلم يعد السؤال اليوم عن هذا الموضوع، ماذا يشاهد الطفل؟ بل أصبح السؤال الأكثر خطورة، من الذي يربي الطفل عبر الشاشة؟، فقبل بلوغ الطفل 12 من عمره، يكون قد أمضى آلاف الساعات أمام الشاشات الرقمية والأجهزة الذكية، وهي مدة قد تقترب من أو تتجاوز في بعض البيئات الزمن الذي يقضيه داخل الفصول الدراسية خلال سنوات التعليم الأولى، مما يجعل الأنيميشن أحد أكثر الوسائل تأثيراً في تشكيل الشخصية واللغة والقيم والسلوك، «منظمة الصحة العالمية، 2023»، وتشير تقارير منظمة الأمم المتحدة للطفولة إلى أن الأطفال يدخلون العالم الرقمي في سن أصغر من أي وقت مضى، وأن البيئة الرقمية لم تعد مجرد وسيلة للترفيه، بل أصبحت جزءاً من عملية التنشئة الاجتماعية والتعليمية والثقافية، وهو ما يضاعف مسؤولية الدول في إنتاج محتوى يحمي الطفل ويعزز هويته، «منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف»، 2024»، كما تؤكد منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة أن وسائل الإعلام الرقمية أصبحت من أهم الأدوات المؤثرة في تشكيل وعي الأطفال، وأن جودة المحتوى الذي يتعرض له الطفل تؤثر بصورة مباشرة في بناء شخصيته ومهاراته الاجتماعية والثقافية، «منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، 2023»، ولا تكمن خطورة الأنيميشن في عدد ساعات المشاهدة فقط، بل في قدرته على تجاوز مقاومة الطفل العقلية، فالطفل لا ينظر إلى الشخصية الكرتونية بوصفها ممثلاً يؤدي دوراً، وإنما يتعامل معها بوصفها صديقاً وقدوة وبطلاً يستحق التقليد، ولذلك تصبح الرسائل التي تقدمها هذه الشخصيات أكثر رسوخاً من كثير من الرسائل التربوية المباشرة، ويد عالم النفس الكندي ألبرت باندورا من أوائل العلماء الذين لفتوا الانتباه إلى قوة التعلم بالملاحظة، إذ أثبت في نظرية التعلم الاجتماعي أن الأطفال يكتسبون كثيراً من السلوكيات من خلال مشاهدة النماذج وتقليدها، حتى دون توجيه مباشر أو مكافأة، «المصدر، ألبرت باندورا، نظرية التعلم الاجتماعي»، وأكدت تجربة «دمية بوبو» الشهيرة أن الأطفال الذين شاهدوا سلوكاً عدوانياً كانوا أكثر ميلاً إلى تقليده مقارنة بمن لم يشاهدوه، وهو ما أصبح أحد أبرز الأدلة العلمية على تأثير المحتوى المرئي في تشكيل السلوك، «المصدر، جامعة ستانفورد، تجربة دمية بوبو»، أما عالم النفس السويسري جان بياجيه، فقد أوضح أن الطفل في سنواته الأولى لا يميز دائماً بين الخيال والواقع، ولذلك يتعامل مع كثير من المواقف الكرتونية بوصفها حقائق قابلة للتطبيق، مما يضاعف مسؤولية صناع المحتوى، «المصدر، جان بياجيه، سيكولوجية الطفل»، كما يرى العالم الروسي ليف فيغوتسكي أن التعلم يصبح أكثر فاعلية عندما يتفاعل الطفل مع بيئة غنية بالقصص والحوار والمثيرات البصرية، وهو ما يجعل الأنيميشن وسيلة تعليمية بالغة التأثير إذا أُحسن توظيفها، «المصدر، ليف فيغوتسكي، العقل في المجتمع»، ويؤكد عالم النفس الأمريكي جيروم برونر أن القصة من أكثر وسائل التعلم بقاءً في الذاكرة، وأن الطفل يتذكر الشخصيات والأحداث أكثر من حفظه للمعلومات المجردة، وهو ما يفسر ارتباط الأطفال بالشخصيات الكرتونية لسنوات طويلة، «المصدر، جيروم برونر، ثقافة التربية»، ومن هنا تتضح أن المشكلة ليست في الأنيميشن ذاته، بل في الرسائل التي يحملها، فالرسوم المتحركة تعد من أقوى الوسائل التعليمية والتربوية عندما تبنى على أسس علمية سليمة، إلا أن كثيراً من الأعمال الحديثة تتضمن رسائل غير مباشرة قد تؤثر في الطفل دون أن يشعر هو أو ينتبه إليها والداه، ففي بعض الأعمال أصبح العنف وسيلة طبيعية لحل الخلافات، وتُقدَّم السخرية من الوالدين أو المعلمين على أنها مادة كوميدية، ويُصوَّر التنمر أحياناً بوصفه سبباً للضحك، كما تُغرس قيم الاستهلاك المفرط وربط السعادة بالشراء والاقتناء، إضافة إلى تقديم شخصيات تحقق النجاح دون جهد أو مسؤولية، وهي رسائل قد تترك آثاراً تراكمية في بناء شخصية الطفل، «الجمعية الأمريكية لعلم النفس، 2023»، «منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف»، 2024»، ولا تكمن خطورة هذه الرسائل في ظهورها مرةاحدة، بل في تكرارها المستمر، فالطفل لا يمتلك القدرة الكاملة على تحليل الدوافع أو التمييز بين ما هو خيالي وما ينبغي رفضه أخلاقياً، بل يستقبل كثيراً من السلوكيات بوصفها أنماطاً طبيعية للحياة، ولهذا يرى خبراء الإعلام أن الرسائل الضمنية غالباً ما تكون أشد تأثيراً من الرسائل المباشرة، لأنها تصل إلى الوجدان عبر القصة والموسيقى والشخصيات المحببة، «منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، 2023»، ويؤكد عالم الاتصال الأمريكي جورج جربنر في نظرية الغرس الثقافي أن التعرض المستمر للمحتوى الإعلامي يغيّر تدريجياً إدراك الإنسان للواقع، حتى يبدأ في الاعتقاد بأن ما يشاهده على الشاشة يمثل الحياة الحقيقية، «المصدر، جورج جربنر، نظرية الغرس الثقافي»، كما تشير مراجعات علمية متعددة إلى أن التعرض المتكرر لمشاهد العنف في المحتوى الموجه للأطفال قد يرتبط بزيادة السلوك العدواني وتراجع الحساسية تجاه العنف لدى بعض الأطفال، خاصة في ظل غياب الرقابة الأسرية والتوجيه التربوي، «الجمعية الأمريكية لعلم النفس»، «منظمة الصحة العالمية»، ولذلك فإن المشكلة لا تكمن في وجود مشهد عنيف واحد، وإنما في تحويل العنف إلى وسيلة ناجحة ومتكررة لحل المشكلات، بما يجعل الطفل يعتقد أن القوة هي الطريق الأسرع لتحقيق الأهداف، في عدد من أعمال الأنيميشن الحديثة، يظهر الأب على أنه ضعيف أو ساذج، وتُقدَّم الأم بصورة مبالغ فيها أو ساخرة، بينما يُصوَّر المعلم أحياناً كشخصية مثيرة للضحك أو غير جديرة بالاحترام، ويحذر خبراء التربية من أن التكرار المستمر لهذه الصور قد يضعف مكانة القدوة داخل الأسرة والمدرسة، ويؤثر في طريقة تعامل الطفل مع والديه ومعلميه، «منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف»، 2024»، «منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، 2023»، كما أثبتت دراسات تربوية أن الطفل قد يفسر الضحك المصاحب لمشاهد التنمر على أنه موافقة اجتماعية على هذا السلوك، فيعيد تقليده داخل المدرسة أو المنزل، ولذلك توصي المؤسسات التربوية بألا يُستخدم التنمر وسيلة للإضحاك دون إظهار عواقبه الأخلاقية والنفسية، «منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، 2023»، «الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال، 2024»، وأصبحت شخصيات الأنيميشن في كثير من الأحيان وسيلة لتسويق الألعاب والملابس والأطعمة والمنتجات المختلفة، حتى بات الطفل يرط