في المشهد المعاصر يبدو أننا نشهد تحولًا جذريًا في طبيعة الفضاء الرقمي فمنذ انطلاق شبكات التواصل الاجتماعي كان المأمول منها أن تكون نوافذ أوسع للمعرفة وأن تقرّب المسافات وتفتح آفاقًا جديدة للتواصل الإنساني والفكري غير أن الواقع اتخذ مسارًا مختلفًا خصوصًا حين تداخلت خوارزميات الشهرة مع نزعة تحويل كل شيء إلى سلعة ومن هنا برزت ظاهرة لافتة تحولت معها صفحات ومساحات واسعة من منصات التواصل إلى بيئات لصناعة الثروة السريعة من خلال التركيز على التفاصيل الخفيفة والهامشية من الحياة اليومية وتقديمها بوصفها محتوى يستحق المتابعة المستمرة ولم يكن هذا التحول مجرد مصادفة عابرة، بل صاحبه تناقض واضح بين محدودية المضمون الذي يُقدَّم أحيانًا وبين الضخامة الإعلامية التي تحيط به والعوائد المالية التي يمكن أن تنتج عنه
فقد برزت أسماء تملأ الفضاء الرقمي حضورًا وضجيجًا لا بالضرورة بسبب عمق ما تقدمه وإنما بفضل قدرتها على جذب الانتباه وتحويله إلى قيمة اقتصادية وهنا يظهر مفهوم (اقتصاد الانتباه)، حيث يصبح انتباه الجمهور نفسه سلعة ثمينة تتحول إلى مشاهدات وإعلانات وعوائد تجارية ومع اتساع هذا النموذج لم يعد بعض صنَّاع المحتوى مجرد ناقلين لتجربة أو معلومة، بل أصبحوا جزءًا من منظومة اقتصادية تستثمر في الفضول البشري والثقة والرغبة في اكتشاف حياة الآخرين.
المشكلة لا تكمن في الشهرة أو تحقيق الأرباح من المحتوى بحد ذاته فهذا جزء طبيعي من الاقتصاد الرقمي وإنما تكمن في اللحظة التي يصبح فيها جذب الانتباه غاية مستقلة عن قيمة المحتوى وحين يُقاس النجاح بعدد المشاهدات أكثر مما يُقاس بما يضيفه المحتوى إلى معرفة المتلقي أو وعيه.
ومن هنا فإنه من المهم التمييز بين المؤثر الذي يمتلك معرفة حقيقية في المجال الذي يتحدث عنه وبين من جعل من الشهرة وسيلة للبحث عن المال قبل أن تكون وسيلة لتقديم المعرفة فامتلاك عدد كبير من المتابعين لا يعني بالضرورة امتلاك الثقافة أو التأهيل الذي يؤهل صاحبه لتقديم الأفكار والمعلومات أو توجيه الآخرين فيها وفي بعض الحالات يصبح الهدف الأساسي هو تعظيم العائد المالي من الجمهور بينما يأتي المحتوى في المرتبة الثانية وهنا تكمن الإشكالية حين يتحدث شخص في قضايا لا يملك فيها معرفة كافية ثم تمنحه الشهرة سلطة أكبر من تخصصه فيستمع إليه الآلاف لمجرد أنه مشهور لا لأنه مؤهل فالشهرة لا تصنع ثقافة والتفاعل لا يصنع معرفة وعدد المتابعين لا يمنح صاحبه بالضرورة أهلية تعليم الآخرين أو توجيههم..
وفي هذا السياق تتجاوز هذه المنظومة.. الإعلانات إلى تسويق منتجات وخدمات ودورات تدريبية تقدم وعودًا كبيرة بالثراء والنجاح بينما قد لا تتناسب القيمة الفعلية لما يُقدَّم مع الصورة التي تُبنى حوله ويأتي الاستعراض بوصفه إحدى أهم أدوات صناعة هذه الصورة فالطائرات الخاصة والسيارات الفارهة والفنادق الفاخرة والمظاهر الباذخة قد تتحول من مجرد تفاصيل في حياة أصحابها إلى أدوات تسويقية تُستخدم لبناء انطباع ذهني عن النجاح والثراء.
المشكلة أن الصورة قد تصبح في بعض الأحيان أقوى من الحقيقة نفسها فعندما يرى المتابع مشهدًا سريعًا من الرفاهية قد لا يرى السنوات الطويلة من العمل أو المخاطر أو رأس المال أو الظروف التي صنعت ذلك النجاح وإنما يرى النتيجة النهائية فقط.. ومع التكرار قد يتشكل تصور مضلل لدى بعض المتابعين بأن النجاح طريق قصير وأن الثراء يمكن اختصاره في دورة أو منتج أو وصفة جاهزة، وهنا لا تعود المسألة اقتصادية فقط، بل تصبح قضية تتعلق بالوعي فالتدفق المتواصل للمحتوى السريع والاستعراضات المتكررة والانتقال المستمر من موضوع إلى آخر قد يسهم في إضعاف مساحة التأمل والتركيز لدى المتلقي وبدلًا من أن تكون المنصات الرقمية أدوات تساعد على القراءة والبحث واكتساب المعرفة تتحول أحيانًا إلى مصدر متواصل للمثيرات التي تتنافس على خطف الانتباه والأخطر من المال الذي قد ينفقه المتابع على منتج أو دورة لا تحقق ما كان يتوقعه هو ما يمكن أن يخسره تدريجيًا من قدرته على التمييز والنقد والبحث والتحقق فالإنسان الذي يعتاد تلقي المعلومات في قوالب سريعة وجاهزة قد يجد نفسه مع الوقت أقل صبرًا على القراءة المتأنية وأقل رغبة في البحث وأكثر استعدادًا لتصديق الصورة التي تفرضها عليه الشاشة.
وهنا ينبغي ألا نخلط بين التقنية نفسها وبين طريقة استخدامها فوسائل التواصل الاجتماعي ليست شرًا في ذاتها بل هي أدوات يمكن أن تكون وسيلة للعلم والمعرفة والتواصل والإبداع كما يمكن أن تتحول إلى مساحة للاستهلاك السطحي كما نشاهده الآن خصوصاً إذا غابت المسؤولية الفردية والمجتمعية
لذلك فإن المسؤولية اليوم لا تقع على صانع المحتوى وحده وإنما تمتد إلى المتلقي والأسرة والمؤسسات التعليمية والإعلامية.. نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار لمعايير القيمة وأن نعلّم الأجيال الجديدة أن عدد المتابعين لا يعني بالضرورة عمق المعرفة وأن ارتفاع المشاهدات لا يمثل دائمًا ارتفاعًا في قيمة المحتوى نحتاج كذلك إلى أن نسأل:
ماذا أضاف هذا المحتوى لي؟ وما مصدر هذه المعلومة؟ وهل ما أراه حقيقة أم صورة تسويقية؟
وهل النجاح الذي يُعرض أمامي نتيجة مسار طويل أم مجرد مشهد صُمم بعناية ليؤثِّر في قراري؟
إن بناء جيل قادر على طرح هذه الأسئلة أهم من بناء جيل يلاحق كل (ترند جديد)، فالثروة الحقيقية للمجتمعات لا تُقاس فقط بحجم الأموال التي تتحرك في الأسواق الرقمية ولا بما تحققه المنصات من إيرادات ولا بعدد المشاهدات والمتابعين وإنما تقاس أيضًا بما تملكه الأجيال من وعي وقدرته على التفكير النقدي وعمق في المعرفة واستعداد لصناعة القيمة بدل الاكتفاء باستهلاكها.. وفي زمن أصبح فيه (الانتباه) عملة ربما يكون الحفاظ على العقل من أن يتحول إلى مجرد مستهلك دائم هو التحدي الأكبر.
فالأمم لا تُقاس فقط بما تملكه من ثروة، بل بما تملكه من عقول قادرة على صناعة المستقبل.
في المشهد المعاصر يبدو أننا نشهد تحولًا جذريًا في طبيعة الفضاء الرقمي فمنذ انطلاق شبكات التواصل الاجتماعي كان المأمول منها أن تكون نوافذ أوسع للمعرفة وأن تقرّب المسافات وتفتح آفاقًا جديدة للتواصل الإنساني والفكري غير أن الواقع اتخذ مسارًا مختلفًا خصوصًا حين تداخلت خوارزميات الشهرة مع نزعة تحويل كل شيء إلى سلعة ومن هنا برزت ظاهرة لافتة تحولت معها صفحات ومساحات واسعة من منصات التواصل إلى بيئات لصناعة الثروة السريعة من خلال التركيز على التفاصيل الخفيفة والهامشية من الحياة اليومية وتقديمها بوصفها محتوى يستحق المتابعة المستمرة ولم يكن هذا التحول مجرد مصادفة عابرة، بل صاحبه تناقض واضح بين محدودية المضمون الذي يُقدَّم أحيانًا وبين الضخامة الإعلامية التي تحيط به والعوائد المالية التي يمكن أن تنتج عنه
فقد برزت أسماء تملأ الفضاء الرقمي حضورًا وضجيجًا لا بالضرورة بسبب عمق ما تقدمه وإنما بفضل قدرتها على جذب الانتباه وتحويله إلى قيمة اقتصادية وهنا يظهر مفهوم (اقتصاد الانتباه)، حيث يصبح انتباه الجمهور نفسه سلعة ثمينة تتحول إلى مشاهدات وإعلانات وعوائد تجارية ومع اتساع هذا النموذج لم يعد بعض صنَّاع المحتوى مجرد ناقلين لتجربة أو معلومة، بل أصبحوا جزءًا من منظومة اقتصادية تستثمر في الفضول البشري والثقة والرغبة في اكتشاف حياة الآخرين.