عُرف وائل حلّاق بوصفه كاتباً يجادل المستشرقين لأصولهم الاستعماريّة، ويناقض الحداثة الغربيّة، بوصفها هيمنة قوّة بعلاقات سلطة كاسحة للعالم؛ متخذاً لذلك عدّة أساليب، ومضامين، ومؤطّرات، في كتاباته. ومن بين أطروحاته: أطروحته عن «الشريعة الإسلاميّة»، متخذاً إياها خطاب قوّة يناقض خطابات القوّة الحداثية، وتحديداً لمعارضة أحد منتجات الحداثة المعرفيّة، وهو «الاستشراق»، لهزّ مسلماته، ومنها تعريف الاستشراق للشريعة. فسعياً للمناقضة، مستعيناً في ذلك بمفهوم «الخطاب» عند ميشيل فوكو؛ الذي يتشكّل بعلاقة «السلطة والمعرفة»، أي خطاب يعيد تشكيل الذوات؛ ميّز وائل حلّاق بين عدّة ذوات «حداثية» و»ما قبل حداثيّة»، معلّقاً الحكم بـ «الأخلاق» على هذا التحقيب أولاً، ثم نوع «العلاقات بين الذوات» للتمييز بين ذاتٍ وذات، مستنسخاً رؤية ميشيل فوكو. وقد تقدّم أن ميشيل فوكو يرتكز في رؤيته الخُلقية على تمييز الذات لا بخصيصة جوهرية، أو فطريّة، أو إنسانية قبليّة، وإنما على «العلاقة» بين الحرية والإكراه؛ إذ يخرج الإنسان بذات قابلة للتشكيل بطريقين: إمّا إعادة تشكيل الذات الحقيقية، من قِبل ذات أخرى -الموجّه، المربّي...-، بحيث تختار ما تتوجه إليه من بين هذه التوجيهات، وإمّا إعادة تشكيل الذات المجازيّة، من قِبل سلطة أعلى، توجّه توجيهاً تسلطيّاً، بحيث يوجب المُخْضِعُ على الخاضع هذا التوجه أو ذاك، من خلال أساليب تتغلغل في صلب العلاقة، وتعيد تشكيل الذات الخاضعة. ونموذجه في الحضارة الغربية المعاصرة، التي نشأت من خطاب سلطويّ قهريّ «المعاقبة»، أصله علاقة اعتراف بين ذات خاضعة تعترف، وذات مسيطرة تستمع وتدين، ومن ثم تعيد تشكيل الحقيقية لا بحسب الاعتراف، وإنما حسب تأويل الذات المسيطرة. فالأخلاق من هذه الجهة في أصلها تشكيل تعالقيّ بين ذاتين، فإن كانت لا بالقهر بل بالحريّة فهي «أخلاق حقيقيّة»، متى ما ارتبطت بالعناية بالذات وفق نموذج ما قبل سقراط، وإن كانت تتشكل بالقهر فهي أخلاق مجازيّة، وتصل لذروة العلاقات التسلّطية مع الحداثة الغربيّة، من حيث هي تمثيل للرأسمالية والبرجوازية. وعليه فهناك خطّ صاعد لتشكّل الأخلاق الحقيقيّة، حيث تبدأ من ذات وذات، ثم دوائر أعلى كالأسرة، فمجتمع صغير.. وهكذا، حتى تشكيل أكبر جهات السلطة في مجتمع ما. وعكسه الخط النازل الذي يُشكّل بالخطابات أخلاق الذوات عموديّاً بالتسلّط. ويمكن كشف هذا الغصب بكيفية عمل آلية «السلطة والمعرفة». وقد تابع وائل حلّاق ميشيل فوكو في الآلية «السلطة والمعرفة»، وكذا في الخطابات، فضلاً عن تبعيّة وسم «الأخلاق» من حيث «العلاقة بين الذوات»؛ مبيّناً تشكّل ذواتٍ عدّة في أطروحته عن الشريعة. وأوّل هذه الذوات هي: ثنائية «الذات الفاعلة» و»الذات الخاضعة» في الاستشراق؛ حيث يرى أنَّ الاستشراق منتوج معرفيّ للحداثة الغربيّة الاستعماريّة، في رأسماليتها وبرجوازيتها، ومن ثمّ فكل التعريفات التي يقدّمها تنبثق من معرفة شكّلتها علاقات السلطة الغربيّة الحداثية، ومن ذلك تعريف «الشريعة»؛ بوصفه مفهوماً مؤطّراً لأهم العلوم المؤثرة في تشكيل المجتمعات الإسلاميّة، من حيث هي تشريع وطريقة عيش حياة. فهذا المفهوم «الشريعة» أُنتج مراراً في الحقل الاستشراقي وفق رؤى متعددة، يتحكم فيها «الفاعل-المستشرق»، ويعيد تشكيل الذات الخاضعة «تمثيل الآخر»؛ وهي كل ذات في موضوع دراسة الاستشراق؛ تلقت هذا الخطاب الاستشراقي ومنتجاته المعرفيّة، دون تمييز عميق يفضي لمناقضة هذه الرؤى الاستشراقيّة. وأوّل لحظات الإخضاع تبدو عند الوقوف على لفظ «الشريعة» في الخطاب الاستشراقي، هو أول لحظات التحليل. حيث يرى وائل أنّ هذا اللفظ قد سُجن في سجنين: اللغة والحداثة، حيث تقدّم اللغة التصورات والمقولات الحداثيّة، تمثيلاً اسميّاً للموضوع المدروس، فتقدّم الشريعة تارة بوصفها قانوناً «law»، ومن ثمّ اختزالها للقانون التشريعي، والذي لا يخدم الفاعل الاستعماري في تحركاته الاقتصاديّة خاصة، مما يحثّه على تغيير هذا القانون بما يخدم مصالحه، عبر معرفة تعيد تقنين الشريعة لتتناسب مع الطرح الحداثي الاستعماري، وفق علاقة معرفة تُنتجها السلطة، ووسم الشريعة بوسم عام يهيئ التقليل من شأنها، وهو: أنها غير فعّالة ومعطّلة. أمّا من حيث تشكّل الذوات، فقد شكّلت الشريعة الذات وفق تشريعات خُلقيّة إرادية، تنبثق أخلاق الذوات من هذه العلاقات، والتي تتشكل مع الوقت من الأسفل إلى الأعلى. وقد ماتت الشريعة موتاً بنيوياً، لأنّ بنية تشكّل الذوات الخُلقيّة، ومن ثمّ التشريعات من تفاعل اجتماعي مع النصوص؛ قد ذهبت مع خطابات الشريعة التي ذهبت! أمّا ما يشكّله الخطاب الاستعماري للشريعة، فذوات مكرهة على قبول القانون، والواقع الحداثي؛ بوصفهما الواقع الذي يجب الخضوع له والتمثّل بحسبه، فلم يعد هناك أخلاق، لأن اكتساح الحداثة كان عامّاً طامّاً، لا يمكن مقاومته بخطاب أخلاقي، بل لا بدّ من خطاب سلطة مناقض لها، تهيئة للخطابات الخُلقية التي ستشكل من جديد شريعة جديدة! وبيّن هنا أنّ تعريف «الذات» و»الأخلاق»؛ تعريفات منبثقة من الحقل السياسي-الفكريّ الغربيّ، دون تمييز للإنسان في ذاته، ولا اليقين في دلالة الأخلاق بقيمها، إنما هي تعريفات صيرورات تعالقيّة، لإنتاج اجتماعي واقعيّ ينشئ الأخلاق، لا يجلّيها وذواتها.