احذروا الشماتة فالأيام دول – عبدالرحمن العطوي

ليست الشماتة انتصارًا ولا سقوط الآخرين دليلًا على علو شأن الشامتين، بل هي امتحان للأخلاق يكشف ما تخفيه القلوب ويعرّي حقيقة النفوس فكم من إنسان أعمته نشوة شماتته عن حقيقة كبرى وهي أن الحياة لا تمنح أحدًا صكًا بالنجاة من تقلباتها، وأن الأيام التي تبتسم لغيره اليوم قد تأتيه غدًا بما لا يتوقع.

إن من أقسى ما يبلغه الإنسان من انحدار أخلاقي أن يرى وجع الآخرين مصدرًا لسعادته وأن يحول مصائب الناس إلى مجال للسخرية والتشفي، وأن يظن أن تعثر خصمه يرفعه وأن انكسار غيره يمنحه مكانة لا يستحقها فالنفوس الكبيرة تترفع عن الشماتة والقلوب النبيلة تتألم لجراح الآخرين حتى حين تختلف معهم أما النفوس الصغيرة فتبحث في عثرات الناس عن انتصارات وهمية تعوض بها نقصها وتستر بها عيوبها.

وقد جاء القرآن الكريم واضحًا في التحذير من السخرية والانتقاص فقال الله تعالى في سورة الحجرات {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ} وهي آية تضع الإنسان أمام ميزان الحق فلا يجوز له أن يغتر بمكانته أو ماله أو صحته أو قوته أو يظن أن ما يملكه اليوم دليل على أنه أفضل من غيره، فكم من صاحب نعمة ابتلي، وكم من ضعيف رفعه الله، وكم من إنسان ظنه الناس قد انتهى فإذا بالأيام تمنحه بداية جديدة لم تكن في حساب أحد.

وقال سبحانه وتعالى {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} وهي حقيقة تختصر فلسفة الحياة وتكشف أن دوام الحال من المحال، وأن القوة ليست حكرًا على أحد وأن المنعطفات التي تصنعها الأقدار لا تستأذن أحدًا قبل أن تغير واقعه فمن يفرح اليوم بعثرة غيره عليه أن يتذكر أن الطريق الذي يسير فيه الآخرون ليس بعيدًا عن طريقه وأن الأقدار لا تعرف الغرور ولا تحابي المتكبرين.

وفي السنة النبوية الشريفة يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره»، وفي هذا التوجيه النبوي تأسيس لأخلاق المجتمع الذي يحفظ كرامة الإنسان ولا يجعل ضعفه مادة للتندر ولا مصيبته فرصة للتشفي فالخلاف لا يبيح الظلم والخصومة لا تسقط المروءة والاختلاف لا يمنح أحدًا الحق في أن يفرح بألم غيره أو يستثمر جراحه في معركة لا ينتصر فيها إلا سوء الخلق.

وما أشد قسوة الشماتة حين تتحول إلى كلمات تتناقلها المجالس أو منشورات تتسابق بها الحسابات في منصات التواصل الاجتماعي، إذ لم يعد بعض الناس يكتفون بمعرفة ما أصاب الآخرين بل يسارعون إلى تضخيم مصائبهم ونشر عثراتهم وإعادة تداول لحظات ضعفهم، وكأن كرامة الإنسان أصبحت مباحة بمجرد أن يتعرض لأزمة أو يخسر موقعًا أو يمر بمرض أو ضائقة مالية أو مشكلة أسرية أو مهنية

وهنا تكمن الخطورة حين يفقد المجتمع حسه الإنساني ويصبح الألم مادة للضحك بدل أن يكون مناسبة للرحمة، ويصبح سقوط الإنسان فرصة للانتقام بدل أن يكون بابًا للعفو والتسامح فليس كل من تعثر يستحق اللوم وليس كل من أخطأ يستحق التشهير وليس كل من خالفنا عدوًا تجب إهانته فالإنسان معرض للخطأ والضعف والابتلاء، وقد يحتاج في لحظة انكساره إلى كلمة ترفع معنوياته أكثر من حاجته إلى ألف نصيحة.

ولا يعني رفض الشماتة تبرير الأخطاء أو تعطيل المحاسبة أو الوقوف مع الظالم ضد المظلوم فالحق حق والعدل واجب ومحاسبة المخطئ ضرورة لحماية المجتمع، لكن هناك فرقًا كبيرًا بين أن تطالب بالعدل وأن تتشفى في الألم وبين أن تكشف الخطأ لمصلحة عامة وأن تستمتع بإذلال صاحبه وبين أن ترفض الظلم وأن تتحول إلى ظالم بلسانك وسلوكك؛ فالعدل قيمة والشماتة انحدار والمروءة تظهر حين تستطيع أن تنتصر للحق دون أن تتخلى عن أخلاقك

وإذا كانت الأيام تعلمنا شيئًا فإنها تعلمنا أن الإنسان لا يعرف حقيقة حاجته إلى الرحمة إلا حين يقف على أبوابها، وأن من يستهين بدمعة الآخرين قد يحتاج يومًا إلى من يمسح دمعته ومن يسخر من عجز الناس قد يمر بمرحلة لا يملك فيها دفع الضر عن نفسه، ومن يفرح بخسارة غيره قد يذوق مرارة الخسارة التي لا تنفع معها ضحكات الشامتين.

وليس المقصود أن كل من شمت بغيره سيصيبه حتمًا البلاء نفسه فذلك حكم على الغيب لا يملكه بشر وإنما العبرة أن الشماتة خلق مذموم وأن دوام النعمة ليس مضمونًا لأحد وأن تقلبات الحياة كفيلة بأن تضع الإنسان في مواقف لم يكن يتصورها، وأن العاقل لا يتحدى الأقدار بلسانه ولا يغتر بما بين يديه من نعم بل يشكر الله عليها ويخشى زوالها ويحفظ للناس كرامتهم في ضعفهم قبل قوتهم.

وما أجمل أن يتذكر الشامت أن الأيام لا تحفظ له ضحكته على الآخرين ولا تمنحه حصانة من الحزن وأن التاريخ الإنساني مليء بأناس ظنوا أنهم في مأمن من تقلبات الزمن ثم تغيرت أحوالهم في لحظة واحدة فبقيت مواقفهم شاهدًا عليهم وبقيت كلماتهم التي آذوا بها غيرهم دليلًا على قسوة نفوسهم.

إنها رسالة إلى كل من اتخذ من مصائب الناس ساحة للتشفي وإلى كل من يفرح بسقوط الآخرين ويظن أن شماتته تمنحه انتصارًا أفيقوا قبل أن تعلمكم الحياة ما عجزت عنه المواعظ وارحموا من في الأرض ولا تجعلوا من جراح الناس مادة للضحك ولا من عثراتهم طريقًا إلى التكبر فكم من قوي أصبح ضعيفًا وكم من غني افتقر وكم من صحيح مرض وكم من إنسان أغلقت في وجهه الأبواب ثم فتح الله له من حيث لا يحتسب.

وتذكروا أن ما تزرعونه في نفوس الناس من ألم قد يترك أثرًا لا تمحوه الأيام، وأن الكلمة التي تخرج بقسوة قد تعود على صاحبها ندمًا وأن المواقف لا تنسى بسهولة وأن الكريم لا يشمت حتى في خصمه، والعاقل لا يغتر حتى في أوج قوته وصاحب المروءة لا يجعل من ابتلاء غيره مناسبة لإعلان انتصاره.

فيا أيها الشامتون لا تغتروا بما أنتم فيه ولا تجعلوا من عثرات الآخرين منصة للغرور؛ فلكل إنسان نصيبه من اختبارات الحياة ولكل مرحلة ظروفها ولكل قلب حكاية لا يعلم تفاصيلها إلا الله ومن أراد أن يعرف معدن نفسه، فلينظر كيف يتعامل مع الضعفاء وكيف يتصرف حين يرى خصمه مكسورًا وهل يمد يده بالعفو أم يمد لسانه بالسخرية؟!

فالأيام دول والقلوب شهود، والأخلاق هي التي تبقى حين تتغير المواقع وتتبدل الأحوال..

وإن من أبلغ ما قيل في تقلبات الزمن قول الشاعر:

فلا تشمت بجرح لم تذقه ولا تفرح بدمعة قد لا تعرف وجعها ولا تغتر بنعمة قد تتغير أحوالها

فالشماتة لا ترفع صاحبها بل تكشفه ولا تنتقص من قدر من ابتلي بل تكشف ضيق أفق من تشفى به.

وفي نهاية المطاف قد ينسى الناس تفاصيل الخصومات لكنهم لا ينسون من وقف معهم في محنتهم، ومن استغل ضعفهم ليطعنهم ومن حفظ كرامتهم حين عجزوا عن الدفاع عن أنفسهم.

وستبقى الحقيقة التي لا تتغير أن كل ساق سيسقى بما سقى، وأن صاحب الأخلاق يزرع أثرًا طيبًا يبقى وأن الشامت مهما علت ضحكته لا يستطيع أن يضمن أن الأيام لن تدور به.

ليست الشماتة انتصارًا ولا سقوط الآخرين دليلًا على علو شأن الشامتين، بل هي امتحان للأخلاق يكشف ما تخفيه القلوب ويعرّي حقيقة النفوس فكم من إنسان أعمته نشوة شماتته عن حقيقة كبرى وهي أن الحياة لا تمنح أحدًا صكًا بالنجاة من تقلباتها، وأن الأيام التي تبتسم لغيره اليوم قد تأتيه غدًا بما لا يتوقع.