الشرق الأوسط يقف اليوم عند لحظة يكتنفها الغموض وتختلط فيها الحسابات، الجميع يتحدث عن خفض التوتر، إلا أن حركة القوى على الأرض لا تعكس نهايةً للصراع على موازين القوة، الأساطيل لا تغادر البحار، والقواعد العسكرية لا تُغلق أبوابها، والرسائل غير المعلنة لا تقل حضوراً عن التصريحات الرسمية، وحدها لغة المصالح تبدو أكثر وضوحاً من أي خطاب سياسي، ولأن الشرق الأوسط ظل لعقود مرآةً للتوازنات الدولية، فإن أي تحول في إيقاع العلاقة بين واشنطن وطهران يتجاوز حدود العاصمتين، ليمتد أثره إلى أمن الطاقة، وحركة التجارة، ومستقبل التحالفات، وحتى شكل النظام الإقليمي في بعض الدول الذي يتشكل ببطء تحت ضغط الوقائع الجديدة، لهذا فإن قراءة ما جرى لا ينبغي أن تتوقف عند تفاصيل البنود أو العناوين المعلنة، بل عند ما تكشفه اللحظة نفسها من تبدل في أولويات اللاعبين الكبار، فالقصة ليست قصة تفاهم عابر، وإنما اختبار لقدرة الخصوم على إدارة التنافس بأدوات أقل صخباً وأكثر براغماتية، في عالم بات يدرك أن كلفة المغامرات المفتوحة أصبحت أعلى من قدرة الجميع على تحملها. لم يكن الاتفاق الأخير بين الولايات المتحدة وإيران اتفاقاً تاريخياً بالمعنى التقليدي الذي ينهي عقوداً من العداء أو يؤسس لمرحلة جديدة من الثقة المتبادلة، كما لم يكن تسوية شاملة تعالج جميع الملفات الخلافية الممتدة من البرنامج النووي إلى الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي، بل يمكن القول إن ما جرى هو اتفاق لإدارة الصراع أكثر من كونه اتفاقاً لإنهائه، وإطاراً لاحتواء المخاطر أكثر من كونه مشروعاً لبناء سلام دائم، فالسياسة الدولية خصوصاً بين القوى المتخاصمة، لا تقوم دائماً على إزالة أسباب النزاع، وإنما على إدارة كلفته ومنع تحوله إلى حرب مفتوحة، ومن هذه الزاوية، يمكن فهم الاتفاق باعتباره محاولة لإعادة صياغة معادلة الردع بين الطرفين، بحيث يصبح الالتزام ببنوده أقل تكلفة وأكثر ربحاً من العودة إلى دوامة التصعيد العسكري.
هذه المقاربة تعكس تحولاً مهماً في التفكير الإستراتيجي الأمريكي، فواشنطن تدرك أن سياسة الضغوط القصوى والعقوبات الاقتصادية، رغم نجاحها في إنهاك الاقتصاد الإيراني، لم تحقق هدفها النهائي المتمثل في تغيير السلوك الإستراتيجي لطهران بصورة كاملة، بل إن التجربة أثبتت أن الضغوط المتزايدة دفعت إيران في كثير من الأحيان إلى تسريع برنامجها النووي، ورفع مستويات تخصيب اليورانيوم، وتوسيع قدراتها التقنية باعتبارها أوراق قوة تفاوضية وليست مجرد مشاريع علمية، وهنا تكمن المفارقة الكبرى، إذ إن الأداة التي صُممت لإجبار إيران على التراجع تحولت تدريجياً إلى عامل يدفعها نحو تعزيز قدراتها النووية، بما يجعل تكلفة استمرار سياسة الضغط أعلى من المكاسب المتوقعة منها.
أما الخيار العسكري، فرغم امتلاك الولايات المتحدة القدرة على توجيه ضربات مؤثرة، فإنه لا يقدم ضمانة لإنهاء البرنامج النووي بصورة نهائية، فالخبرة العسكرية تشير إلى أن تدمير المنشآت لا يعني القضاء على المعرفة أو الخبرات البشرية أو القدرة على إعادة البناء، فضلاً عن أن أي حرب واسعة قد تدفع إيران إلى اتخاذ قرار إستراتيجي بتطوير سلاح نووي فعلي باعتباره الضمانة الوحيدة لمنع تكرار الهجمات مستقبلاً.
ومن منظور جيو- إستراتيجي، فإن واشنطن لا تنظر إلى إيران باعتبارها الملف الوحيد على أجندتها الدولية، فالولايات المتحدة تعيش اليوم مرحلة إعادة توزيع للموارد العسكرية والسياسية في ظل المنافسة المتصاعدة مع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، واستمرار الحرب في أوكرانيا، فضلاً عن التحديات الاقتصادية الداخلية، وبالتالي فإن الدخول في مواجهة طويلة مع إيران قد يستنزف جزءاً كبيراً من الموارد التي تحتاجها واشنطن في ساحات أكثر أهمية بالنسبة لأولوياتها الإستراتيجية، لهذا يبدو الاتفاق خياراً عقلانياً من منظور إدارة الموارد الإستراتيجية، فهو يسمح للولايات المتحدة بتقليص احتمالات الحرب، وإبقاء البرنامج النووي الإيراني ضمن مستوى يمكن مراقبته والحد من توسعه، مع الاحتفاظ بأدوات الضغط الاقتصادية والسياسية كورقة يمكن تفعيلها إذا أخلت طهران بالتزاماتها، ولا تقل الاعتبارات الداخلية أهمية عن الحسابات الخارجية، فالإدارة الأمريكية تدرك أن أي اضطراب واسع في منطقة الخليج ستكون له انعكاسات مباشرة على أسواق الطاقة العالمية، بما يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، وزيادة معدلات التضخم، وهو ما ينعكس سريعاً على الاقتصاد الأمريكي وعلى المزاج الانتخابي للناخبين، ولهذا فإن تخفيض مستوى التوتر الإقليمي لا يمثل فقط هدفاً أمنياً، بل يعد أيضاً هدفاً اقتصادياً وسياسياً داخلياً، فنجاح الإدارة في تجنب حرب جديدة في الشرق الأوسط، مع الحفاظ على استقرار أسعار الطاقة، يمنحها فرصة لتقديم الاتفاق للرأي العام باعتباره نموذجاً للدبلوماسية الفاعلة التي تحقق الأمن دون الانزلاق إلى حروب مكلفة مالياً وبشرياً.
في المقابل، فإن الحسابات الإيرانية لا تقل تعقيداً فقد أثبتت السنوات الماضية أن الاقتصاد الإيراني تحمل ضغوطاً قاسية نتيجة العقوبات، لكن هذه الضغوط أوجدت أيضاً تحديات داخلية متراكمة تمثلت في التضخم، وتراجع قيمة العملة، وارتفاع معدلات البطالة، وتراجع الاستثمارات الأجنبية، ومن ثم فإن طهران تدرك أن استمرار المواجهة المفتوحة يحمل كلفة اقتصادية واجتماعية متزايدة، خاصة في ظل حاجتها إلى استعادة جزء من النشاط الاقتصادي، وتوسيع تجارتها الخارجية، وجذب الاستثمارات، وتخفيف الضغوط المعيشية التي تؤثر بصورة مباشرة في الاستقرار الداخلي، لكن قبول إيران بالاتفاق لا يعني تخليها عن مشروعها الإستراتيجي، بل يعكس فهماً مختلفاً لإدارة الوقت، فطهران تدرك أن المحافظة على النظام السياسي، واستمرار بناء القدرات الاقتصادية والعسكرية، يتطلبان فترات من التهدئة تسمح بإعادة ترتيب الأولويات، بدلاً من الانخراط في مواجهات مفتوحة تستنزف الإمكانات الوطنية، وبهذا المعنى فإن الاتفاق يمنح إيران فرصة لخفض الضغوط الاقتصادية، مع الاحتفاظ بجزء كبير من بنيتها العلمية والتقنية، بما يسمح لها باستعادة زخم برنامجها إذا انهار الاتفاق مستقبلاً.