يفتح الدور الذي تضطلع به دول اتفاقية مكة للدفاع المشترك، في ضوء التطورات الإقليمية الراهنة، باباً واسعاً للنقاش حول مستقبل الأمن في الشرق الأوسط، وإمكان الانتقال من سياسة احتواء الأزمات بعد اندلاعها إلى بناء منظومة إقليمية أكثر قدرة على منع الحروب، وخفض التصعيد، وتسوية النزاعات بالوسائل السياسية والدبلوماسية.
وتزداد أهمية هذا النقاش مع تأكيد مجلس الوزراء السعودي، في جلسته المنعقدة في الرياض يوم 27 أكتوبر 2026، الدور المحوري لدول الاتفاقية في استتباب أمن المنطقة واستقرارها، ودعم جهود الوساطة التي تبذلها دولة قطر وجمهورية باكستان الإسلامية لخفض التصعيد وتحقيق السلام.
إن الرسالة السياسية التي تنطوي عليها هذه التطورات تتجاوز حدود التعاون العسكري بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، لتطرح سؤالاً جوهرياً حول قدرة الدول الثلاث على توظيف ثقلها الاستراتيجي وعلاقاتها الإقليمية والدولية في بناء توازن أمني يحمي سيادة الدول، ويمنع اتساع المواجهات، ويفتح الطريق أمام تسويات سياسية تعالج أسباب الصراع، بدلاً من الاكتفاء بإدارة تداعياته.
جاء توقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك في 7 أغسطس 2026 ليؤسس إطاراً للتعاون الدفاعي بين ثلاث دول تمتلك إمكانات سياسية وعسكرية واقتصادية مهمة، وتربطها مصالح استراتيجية وعلاقات تاريخية.
وتقوم الاتفاقية على تعزيز الردع الدفاعي الجماعي، والتعاون في المجالات العسكرية والأمنية، انطلاقاً من مبدأ أن الاعتداء المسلح على أي دولة طرف يُعد اعتداءً على الأطراف الأخرى.
وقد شهدت الاتفاقية خطوات مؤسسية لاحقة، شملت إنشاء لجنة سياسية ودفاعية استراتيجية، والاتفاق على إقامة أمانة عامة في المملكة العربية السعودية، بما يعكس توجهاً نحو تحويل التعاون المعلن إلى آليات تنسيق أكثر انتظاماً وفاعلية. وفي المقابل، فإن اكتمال البناء المؤسسي والتنسيق العملي يظلان مرتبطين بالإجراءات الوطنية للدول الأطراف، وبمدى قدرتها على ترجمة التزاماتها إلى سياسات قابلة للتنفيذ.
غير أن أهمية الاتفاقية لا ينبغي أن تُختزل في بعدها العسكري. فالردع ليس غاية في ذاته، وإنما وسيلة لمنع الاعتداء وتقليص احتمالات الحرب. وتزداد قيمته السياسية عندما يقترن بالانفتاح الدبلوماسي، واحترام سيادة الدول، وإبقاء قنوات الحوار مفتوحة، والعمل على تسوية الخلافات قبل أن تتحول إلى مواجهات يصعب احتواؤها.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام دول الاتفاقية يتمثل في الجمع بين القدرة على حماية أمنها ومصالحها المشروعة، وبين تجنب الانزلاق إلى استقطاب إقليمي جديد. فنجاح أي إطار دفاعي لا يقاس فقط بما يمتلكه من قدرات، وإنما أيضاً بقدرته على الإسهام في منع الحرب، وتهيئة الظروف لتسويات سياسية مستدامة، وبناء علاقات إقليمية تقوم على المصالح المتبادلة لا على التهديد المتبادل.
الوساطة: من احتواء التصعيد إلى معالجة أسبابه
تكتسب التحركات الدبلوماسية التي شهدتها المنطقة أهمية خاصة في هذا السياق، ولا سيما المحادثات التي أجرتها دول الاتفاقية مع مسؤولين إيرانيين، والجهود الرامية إلى خفض التصعيد وفتح مسارات للحوار. وقد أكد مجلس الوزراء السعودي أهمية دعم الوساطة القطرية والباكستانية، بما يعكس إدراكاً بأن حماية أمن المنطقة لا تتحقق بالأدوات الدفاعية وحدها، وأن الدبلوماسية تظل ضرورة لتفادي اتساع الصراعات.
وتتمثل قيمة هذا الدور في قدرة الدول المعنية على الجمع بين علاقاتها المتنوعة ومصالحها المتقاطعة، واستخدامها لفتح قنوات الاتصال، وتقريب وجهات النظر، وتشجيع الأطراف المتنازعة على البحث عن حلول سياسية. غير أن نجاح الوساطة يتطلب أكثر من عقد الاجتماعات وإصدار البيانات؛ فهو يحتاج إلى إرادة سياسية لدى الأطراف المعنية، واتفاق على قواعد واضحة للحوار، والتزامات قابلة للتحقق، وآليات تضمن تنفيذ التفاهمات وعدم العودة إلى التصعيد.
كما ينبغي التمييز بين وقف المواجهات مؤقتاً وبين تحقيق السلام. فقد ينجح التفاوض في احتواء أزمة محددة، لكنه لا يضمن وحده معالجة أسبابها. ولذلك فإن المسار الأكثر استدامة هو الذي يربط التهدئة بترتيبات أمنية وسياسية واضحة، ويحترم سيادة الدول، ويعالج مصادر انعدام الثقة، ويمنع استخدام أراضي المنطقة أو مواردها في صراعات بالوكالة.
وفي هذا الإطار، يمكن لدول اتفاقية مكة أن تؤدي دوراً يتجاوز التنسيق الدفاعي المباشر، من خلال دعم الوساطات القائمة، والتنسيق مع الدول العربية والإقليمية المعنية، وتعزيز فرص التفاهم حول قواعد مشتركة للأمن الإقليمي. ولا يعني ذلك أن الدول الثلاث تستطيع بمفردها حل جميع أزمات المنطقة، بل إن فاعلية دورها ستتوقف على قدرتها على العمل ضمن إطار أوسع، يستوعب اختلاف المصالح والمواقف، ويمنع تحول التعاون الدفاعي إلى اصطفاف مغلق.
القضية الفلسطينية: الاختبار الحقيقي للسلام الإقليمي
لا يكتمل أي تصور لأمن المنطقة إذا اقتصر على حماية الحدود وردع الاعتداءات واحتواء المواجهات العسكرية، بينما تُترك الأسباب السياسية العميقة للصراع دون معالجة. وفي مقدمة هذه الأسباب القضية الفلسطينية، التي لا تزال تمثل أحد المحاور المركزية للتوتر في الشرق الأوسط، بفعل استمرار الاحتلال الإسرائيلي، والتوسع الاستيطاني، وغياب التسوية التي تضمن للشعب الفلسطيني حقوقه الوطنية المشروعة.
ومن هذا المنطلق، فإن بناء منظومة إقليمية فاعلة للسلام يستدعي وضع القضية الفلسطينية في صلب أولوياتها السياسية والدبلوماسية، لا التعامل معها باعتبارها ملفاً منفصلاً عن أمن المنطقة. فلا يمكن الفصل بين الاستقرار الإقليمي وبين إنهاء الاحتلال، واحترام القانون الدولي، وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير المصير، وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وفق قرارات الشرعية الدولية.
كما أن مستقبل قطاع غزة لا ينبغي أن يُختزل في ترتيبات أمنية مؤقتة أو خطط لإعادة الإعمار منفصلة عن الحقوق الوطنية الفلسطينية. فإعادة الإعمار ضرورة إنسانية وتنموية عاجلة، لكنها تحتاج إلى أفق سياسي واضح يضمن حماية السكان، وإنهاء أسباب الحرب، واستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية، وتثبيت المرجعية الوطنية المتمثلة في منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
وتستطيع دول اتفاقية مكة، بالتنسيق مع الدول العربية، الإسهام في دعم هذا المسار من خلال توحيد الجهود الدبلوماسية، والدفاع عن مرجعيات القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، ومنع تحويل التهدئة إلى بديل دائم عن الحل السياسي. فالمطلوب ليس فقط وقف الحرب، بل ضمان ألا تعود أسبابها لتنتج حرباً جديدة، وألا يصبح غياب الحل العادل مصدراً دائماً لعدم الاستقرار.
وهذا لا يعني أن الاتفاقية الدفاعية وحدها قادرة على فرض تسوية للقضية الفلسطينية، وإنما يعني أن وزن الدول المشاركة فيها، وما يمكن أن ينشأ من تنسيق أوسع مع الدول العربية الأخرى، يتيح مجالاً للعمل السياسي المشترك من أجل توفير شروط أكثر ملاءمة لتحقيق السلام العادل والشامل.
استناداً إلى ما سبق، فإن الانتقال من التفاهمات العامة إلى سياسة إقليمية قابلة للقياس يتطلب من دول اتفاقية مكة اعتماد حزمة من الخطوات العملية المتدرجة: