تعاملت وسائل الإعلام العالمية مع اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان باعتبارها خبراً عسكرياً مهماً، وقدمتها بوصفها تطوراً يمكن أن يؤثر في معادلات الأمن والردع والتحالفات في الشرق الأوسط وجنوب آسيا، وهو ما يظهر بوضوح في اختلاف العناوين والأطر التي استخدمتها وسائل الإعلام الدولية، فقد ركزت رويترز على أن الاتفاقية تنص على أن الاعتداء المسلح على دولة موقعة يُعد اعتداءً على الدول الثلاث، مع الإشارة إلى أن البيان المنشور لا يقدم تفاصيل محددة بشأن الالتزامات الدفاعية أو كيفية تنفيذها، بينما تناولت قناة العربية وسكاي نيوز الاتفاقية كونها تحول إقليمي كبير ومهم يغير وجه الشرق الأوسط، كذلك تناولت قناة الجزيرة المثيرة دائماً للجدل الاتفاقية باعتبارها تطوراً قد يؤثر في الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، وذهبت بعض وسائل الإعلام إلى استخدام تعبيرات أكثر إثارة مثل «ناتو إسلامي» أو «ناتو سني»، وهي تعبيرات صحفية تحليلية وليست اسماً رسمياً للاتفاقية، وأرى أن اختلاف العناوين يكشف أن المعركة الإعلامية حول الاتفاقية بدأت فور الإعلان عنها، وأن السؤال لم يعد فقط ماذا وقعت الدول الثلاث، وإنما كيف سيعرّف الإعلام العالمي هذا الحدث للجمهور؟
تكشف التغطية العالمية عن ثلاثة أطر رئيسية، الأول إطار الردع، والثاني إطار إعادة تشكيل النظام الأمني الإقليمي، والثالث إطار التحالف المحتمل في مواجهة تهديدات إقليمية، وقد ظهرت هذه الأطر في مؤسسات إعلامية مختلفة، بينما أكدت الأطراف الموقعة أن الاتفاقية دفاعية ولا تستهدف دولة بعينها، ويتضح أن الفارق بين الرسالة الرسمية والتفسير الإعلامي مهم جداً، لأن الحكومة تقول «دفاع مشترك»، بينما قد يحول العنوان الصحفي المصطلح إلى «تحالف جديد» أو «كتلة عسكرية جديدة»، ومن هنا يبدأ التأثير النفسي والسياسي للخبر، أما رد الفعل الإيراني فكان لافتاً من الناحية الإعلامية والنفسية، إذ قالت طهران إنها لا ترى سبباً للقلق من أن تكون الاتفاقية موجهة ضدها، وهو في حد ذاته رد يمكن قراءته إعلامياً باعتباره محاولة لخفض مستوى التهديد النفسي الذي قد ينتج عن الاتفاقية، وأرى أن مجرد اضطرار دولة إقليمية إلى توضيح موقفها من اتفاق دفاعي جديد يكشف أن الحدث دخل بالفعل إلى حسابات الإدراك الاستراتيجي لدى الأطراف المحيطة، ومن الناحية النفسية، فإن الاتفاقية تنتج تأثيراً مختلفاً لدى المجتمعات، فبالنسبة للمجتمع السعودي تعزز صورة القدرة على حماية الأمن الوطني وبناء الشراكات، وبالنسبة للجمهور التركي قد تعزز صورة الدور التركي خارج حدود المجال الجغرافي التقليدي، فيما الجمهور الباكستاني قد تعزز صورة باكستان بوصفها شريكاً أمنياً مؤثراً، أما لدى بعض الأطراف الإقليمية فقد تولد شعوراً بضرورة إعادة تقييم حساباتها، وأعتقد أن هذا هو جوهر الاتصال الردعي؛ فالقوة لا تؤثر فقط عندما تُستخدم، وإنما قد تؤثر نفسياً قبل استخدامها من خلال الاعتقاد بأنها موجودة وقابلة للاستخدام عند الضرورة، والردع في جوهره يعتمد على الإدراك النفسي للقدرة والنية والمصداقية، فإذا اعتقد الطرف الآخر أن تكلفة الاعتداء أصبحت أعلى، فإن احتمال الإقدام عليه قد يتراجع، لكن العكس صحيح أيضاً، فإذا اعتُبرت الاتفاقية مجرد إعلان سياسي دون قدرة عملية أو آليات تنفيذ واضحة، فقد يحاول بعض الخصوم التقليل من أثرها، مثل إسرائيل، وأرى أن التأثير النفسي للاتفاقية سيكون مرتبطاً بدرجة المصداقية التي ستبنيها الدول الثلاث خلال المرحلة المقبلة، وليس بمجرد الصورة التي ظهرت يوم التوقيع، لذلك حرصت السعودية أن يكون التوقيع يوم جمعة وفي بيت الله الحرام «مكة»، ولتزداد أهمية الصورة الإعلمية لأن الصورة الجماعية للقادة الثلاثة أثناء توقيع الاتفاقية في مكة المكرمة تختصر رسالة سياسية معقدة في مشهد واحد، وتسمح للإعلام بإعادة إنتاجها عشرات الآلاف من المرات، ولذلك فإن الصورة أصبحت جزءاً من التأثير النفسي، ويتضح أن الجمهور يتذكر المشهد قبل أن يتذكر التفاصيل القانونية، والصورة الجماعية للقادة الثلاثة تعمل بوصفها رمزاً بصرياً للتضامن والقوة والتنسيق. «المصدر ـ رويترز، المملكة المتحدة، صور توقيع اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان في مكة المكرمة، 7 أغسطس 2026».
وفي الإعلام الأمريكي، كانت وكالة رويترز من أبرز المصادر التي تناولت الاتفاق، وركزت في تقريرها المنشور في 12 أغسطس 2026 على أن السعودية تتجه إلى بناء تحالفات دفاعية متعددة لردع التهديدات، مع استمرارها في تجنب الانخراط المباشر في حرب أوسع، وضلت التعليقات الأمريكية تحليلية خبرية لنشأة تحالف جديد، أما الإعلام الإسرائيلي، فقد ظهرت فيه معالجة أكثر ارتباطاً بتوازن القوى والأمن الإسرائيلي. فقد نشرت صحيفة تايمز أوف إسرائيل في 7 أغسطس تقريراً لوكالة رويترز بعنوان «السعودية وتركيا وباكستان توقع اتفاق دفاع مشترك في ظل حرب إيران»، وأبرزت أن الدول الثلاث أعلنت أن الاتفاق لا يستهدف دولة محددة، لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى أن الدول الموقعة لديها حسابات وقلق مشترك تجاه التطورات الإقليمية، «المصدر ـ صحيفة تايمز أوف إسرائيل، إسرائيل، السعودية وتركيا وباكستان توقع اتفاق دفاع مشترك في ظل حرب إيران، نقلاً عن رويترز، 7 أغسطس 2026». وفي 12 أغسطس نشرت الصحيفة نفسها تحليلاً للكاتب لازار بيرمان بعنوان «اتفاق مكة الدفاعي ليس موجهاً لتحدي إسرائيل، على الأقل ليس في ساحة المعركة»، وخلص التحليل إلى أن الاتفاق لا يعني بالضرورة أن الدول الثلاث ستدخل حرباً من أجل بعضها، وإنما يحمل رسالة ردع واستقلال استراتيجي، «المصدرـ صحيفة تايمز أوف إسرائيل، إسرائيل، اتفاق مكة الدفاعي ليس موجهاً لتحدي إسرائيل، 12 أغسطس 2026»، واعتقد أن هذه نقطة مهمة جداً في القراءة الإعلامية؛ إذ لا يمكننا تجاهل القلق الإسرائيلي من تغير البيئة الأمنية في الشرق الأوسط، ولاسيما أن النص المعلن للاتفاق لا ينص على شيء يمس إيران أو إسرائيل.
وفي الإعلام الصيني، برزت صحيفة غلوبال تايمز بوصفها من أكثر المنابر وضوحاً في تفسير الرسالة الاستراتيجية للاتفاق؛ فقد نشرت في 9 أغسطس مقالاً بعنوان «ما الرسالة التي أرسلها اتفاق مكة الدفاعي إلى واشنطن؟»، وركزت فيه من منظور الصحيفة الصينية على أن الاتفاق يبعث بإشارة إلى الولايات المتحدة بشأن رغبة دول المنطقة في تعزيز قدرتها على ترتيب أمنها بنفسها، «المصدر- صحيفة غلوبال تايمز، الصين، ما الرسالة التي أرسلها اتفاق مكة الدفاعي إلى واشنطن؟، 9 أغسطس 2026»، وأرى أن الإطار الصيني هنا مختلف عن الإطار الأمريكي والإسرائيلي؛ فبدلاً من التركيز الأساسي على سؤال «هل يهدد الاتفاق إسرائيل وإيران؟»، ركزت المعالجة الصينية على فكرة الاستقلال الاستراتيجي وتعدد مراكز القوة، أي أن دول المنطقة باتت أكثر ميلاً إلى تنويع علاقاتها الدفاعية وعدم الاعتماد المطلق على قوة خارجية واحدة من وجهة نظر صينية.