ابنة المخاطر وصانعة الأمن والتنمية – د.عبدالله بن موسى الطاير

الأمن والتنمية لم يكونا في تاريخ المملكة مشروعين متعاقبين، ننجز أحدهما ثم نبدأ الآخر، وإنما كان على الدولة أن تبني وتدافع في الوقت نفسه. لنضع تعدد الجبهات والتهديدات التي تجتاح الإقليم اليوم -إيران في الشرق، ووكلاءها في العراق واليمن، والاضطراب الإقليمي- في سياقها التاريخي والموضوعي. منذ استعادة الرياض عام 1902م تعددت مصادر الخطر حول المملكة. فقد بدأ الملك عبدالعزيز -رحمه الله- مشروع توحيد هذا الكيان السياسي وسط مزاحمة قوى مناوئة مدعومة في شبه الجزيرة العربية بالدولة العثمانية في أجزاء من الجزيرة، وببريطانيا في الخليج وعدن.

خلال سنوات التوحيد اندلعت الحرب العالمية الأولى، ولم تكن المملكة بمنأى عن المخاطر فقد كان الإقليم جزءا من التنافس بين الإمبراطوريتين البريطانية والعثمانية، وكل منهما تحاول حماية مواقعها وحلفائها، ولم يكن المؤسس يقود دولة نفطية ذات جيش حديث ومؤسسات مكتملة، وإنما مشروع دولة ما زال يقاتل لتثبيت حدوده وتوحيد أراضيه.

وحين لاحت بوادر استباب الأمن ظهر تحد وجودي من داخل القوة التي ساهمت في التوحيد، معترضين على منطق الدولة الحديثة الذي يفرض الحدود والالتزامات والعلاقات مع الدول المجاورة، وحسمت معركة السبلة قدرة القيادة على الانتقال من توحيد الأرض إلى إدارة الدولة.

لم تنته الأخطار بإعلان توحيد المملكة عام 1932م، فبعد عامين فقط وقع نزاع مسلح مع الإمامية في اليمن، ثم جاءت الحرب العالمية الثانية لتضع الدولة الفتية في بيئة دولية مضطربة مع محدودية الموارد. وكانت الخمسينيات والستينيات والسبعينيات الميلادية شديدة الصعوبة على الملكيات العربية، حيث سقط النظام الملكي في مصر والعراق، وتوالت الانقلابات في سوريا، وسقط النظام الملكي في اليمن الشمالي تلته ليبيا عام 1969م. وكانت المنطقة تعيش موجة سياسية ترى بعض تياراتها أن الملكيات جزء من نظام قديم ينبغي إسقاطه.

تعرضت المملكة لضغوط داخلية متزايدة ساندها حافز ثوري من الخارج، في أعقاب الثورة العراقية وتصاعد المد القومي العربي. ودخلت مصر الحرب في اليمن الشمالي بقوات كبيرة، ليتموضع الجيش المصري على حدود المملكة الجنوبية ويقصف مناطق عسير وجيزان ونجران.

تلك التهديدات جاءت في وقت كانت فيه المملكة أقل سكاناً، وتسليحاً، وفقيرة اقتصادياً، ولا تملك شبكة التحالفات والقدرات التي تمتلكها اليوم. ولم تنته أزمة اليمن بانسحاب مصر، فقد أصبح اليمن الجنوبي ضمن معسكر الاتحاد السوفيتي، وفي عام 1969م دخلت قوات يمنية جنوبية الأراضي السعودية قبل أن يطردهم الجيش السعودي.

في سياق الأزمات، جاء عام 1979م بتحولات مصيرية تمثلت في الثورة الإيرانية، واقتحام المسجد الحرام من قبل جهيمان، والغزو السوفيتي لأفغانستان، وكان النظام الإقليمي يتغير بشكل دراماتيكي في سنة واحدة.

دخل الإقليم أتون الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت تسع سنوات وهددت إمدادات النفط في الخليج، ولم يتوقف التهديد عند هذا الحد، فقد احتل صدام حسين الكويت عام 1990م، وأصبح الجيش العراقي على الحدود السعودية، وبالفعل دخلت القوات العراقية الخفجي وطردت منها، وتعرضت المدن السعودية لهجمات صاروخية عراقية، بقدر ما كانت خطرا حقيقيا، فقد تحولت إلى مشاهد ترفيه عند السعوديين.

وفي فبراير 2026م تعرضت المملكة ودول الخليج لهجمات إيرانية غير مبررة، ومع ذلك استمرت المملكة في التهدئة وضبط النفس والوساطة والحل السياسي، وكان هذا التوجه هو القوة الحقيقية في مواجهة عبث العدميين. فعّلت إيران وكلائها في اليمن ليعود التصعيد مع هجمات صاروخية وبطائرات مسيرة لم تسلم منها مكة المكرمة والمدينة المنورة.

نحن في السعودية لسنا مجبولين على الطمأنينة ولا تبسيط المخاطر الحالية، ولكننا نفهم ونثق بطريقة تصرف الدولة، فعلى مدى أكثر من قرن، تراكمت لدى القيادة السعودية خبرة في التعامل مع الأزمات المتعددة والمتزامنة، وفي معظم المحطات الكبرى لم تكن السياسة قائمة على الذهاب إلى المواجهة الخشنة كلما ظهرت مشكلة، بل على عمل دبلوماسي متعدد المحاور لاحتواء الخصم، وعقد التسويات، وبناء التحالفات، واستخدام القوة عندما لا يصح غيرها.

الأزمات والتهديدات منذ عام 1902م لم توقف بناء الدولة، فقد أسست الوزارات والجامعات وشبكات الطرق والمدن الحديثة أثناء الحرب الباردة، وتوسع الاقتصاد بينما كانت القوات المصرية في اليمن، واستمرت خطط التنمية خلال الحرب الإيرانية العراقية، وبعد أزمة الكويت دخلت المملكة مرحلة جديدة من بناء المؤسسات والإصلاح الاقتصادي، واليوم تستمر مشاريع التحول الاقتصادي والاجتماعي في وقت تواجه فيه المنطقة واحدة من أكثر مراحلها اضطرابا. لهذا لا أنظر إلى خطر تعدد الجبهات والتهديدات بمعزل عن قدرة الدولة على إدارة المخاطر من دون أن تسمح لها بابتلاع مشروعها الوطني.

المملكة لم تعد تلك الدولة محدودة الموارد التي واجهت الإمبراطوريات في بداية القرن العشرين، ولا الدولة التي وجدت جيش عبدالناصر على حدودها في الستينيات، ولا التي فوجئت بجيش صدام حسين في الكويت عام 1990م، إنها دولة قوية، وغنية، وتحمل معها أكثر من قرن من الخبرة المتراكمة في إدارة الأزمات، وهذه حقائق، لا رسائل طمأنة.

الأمن والتنمية لم يكونا في تاريخ المملكة مشروعين متعاقبين، ننجز أحدهما ثم نبدأ الآخر، وإنما كان على الدولة أن تبني وتدافع في الوقت نفسه. لنضع تعدد الجبهات والتهديدات التي تجتاح الإقليم اليوم -إيران في الشرق، ووكلاءها في العراق واليمن، والاضطراب الإقليمي- في سياقها التاريخي والموضوعي. منذ استعادة الرياض عام 1902م تعددت مصادر الخطر حول المملكة. فقد بدأ الملك عبدالعزيز -رحمه الله- مشروع توحيد هذا الكيان السياسي وسط مزاحمة قوى مناوئة مدعومة في شبه الجزيرة العربية بالدولة العثمانية في أجزاء من الجزيرة، وببريطانيا في الخليج وعدن.

خلال سنوات التوحيد اندلعت الحرب العالمية الأولى، ولم تكن المملكة بمنأى عن المخاطر فقد كان الإقليم جزءا من التنافس بين الإمبراطوريتين البريطانية والعثمانية، وكل منهما تحاول حماية مواقعها وحلفائها، ولم يكن المؤسس يقود دولة نفطية ذات جيش حديث ومؤسسات مكتملة، وإنما مشروع دولة ما زال يقاتل لتثبيت حدوده وتوحيد أراضيه.

وحين لاحت بوادر استباب الأمن ظهر تحد وجودي من داخل القوة التي ساهمت في التوحيد، معترضين على منطق الدولة الحديثة الذي يفرض الحدود والالتزامات والعلاقات مع الدول المجاورة، وحسمت معركة السبلة قدرة القيادة على الانتقال من توحيد الأرض إلى إدارة الدولة.

لم تنته الأخطار بإعلان توحيد المملكة عام 1932م، فبعد عامين فقط وقع نزاع مسلح مع الإمامية في اليمن، ثم جاءت الحرب العالمية الثانية لتضع الدولة الفتية في بيئة دولية مضطربة مع محدودية الموارد. وكانت الخمسينيات والستينيات والسبعينيات الميلادية شديدة الصعوبة على الملكيات العربية، حيث سقط النظام الملكي في مصر والعراق، وتوالت الانقلابات في سوريا، وسقط النظام الملكي في اليمن الشمالي تلته ليبيا عام 1969م. وكانت المنطقة تعيش موجة سياسية ترى بعض تياراتها أن الملكيات جزء من نظام قديم ينبغي إسقاطه.