إعلام الحوثي.. نسخة من البروباغندا الإيرانية (1-2) – د. يحيى جابر

تؤكد معظم البحوث الإعلامية أن الجمهور لا يستقبل الحدث كما وقع بالضرورة، وإنما يتلقاه من خلال الطريقة التي يُقدَّم بها، فالعنوان، والمفردة، والصورة، وزاوية المعالجة، وما يُبرز من معلومات وما يُستبعد، كلها عناصر تدخل في تشكيل معنى الحدث لدى المتلقي، وتوضح دراسات التأطير الإعلامي أن تغيير طريقة تقديم الوقائع يمكن أن يغيّر الحكم عليها، حتى عندما تبقى المعلومات الأساسية ثابتة، وقد أثبتت دراسة تجريبية حديثة، أجريت على عينة تمثيلية من 1200 بالغ، أن اختلاف التأطير القيمي للحرب أحدث فروقًا تراوحت بين 40 و65 نقطة مئوية في التعاطف والحكم الأخلاقي، وبين 20 و30 نقطة مئوية في تأييد تقديم المساعدات العسكرية لأحد أطراف النزاع، «المصدر - مجلة البحوث والسياسات، الولايات المتحدة، دراسة: الدعاية الحربية دون معلومات مضللة؟ التأطير المعياري والانحياز لطرف في الحرب، 2026».

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة إعلام المليشيا الحوثية بوصفه نموذجًا واضحًا للإعلام المستخدم في الصراع والتعبئة، إذ وثقت تقارير الأمم المتحدة استخدام الجماعة للإعلام العسكري في تغطية المناورات والتدريبات، ونشر مقاطع مصورة للمناورات والرماية الحية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، واعتبرت أن هذه المواد تُستخدم في نشر خطاب الكراهية والعنف، كما رصد التقرير استمرار عمليات التعبئة والتجنيد والتدريب والتضليل ضمن حملة «طوفان الأقصى»، «المصدر - الأمم المتحدة، مجلس الأمن، التقرير النهائي لفريق الخبراء المعني باليمن، 2025».

المشكلة الأساسية في إعلام الجماعات المسلحة تبدأ عندما تتراجع الحدود بين الخبر والدعاية، فالإعلام المهني يفترض التحقق من المعلومات، وإسنادها إلى مصادر واضحة، وعرض السياق، والتمييز بين الخبر والرأي، وإتاحة المجال للروايات المتعارضة، بينما تقوم الدعاية على بناء رسالة مقصودة تستهدف التأثير في الاتجاهات والسلوك، وقد تستخدم الحقيقة نفسها إذا كانت تخدم الهدف، كما يمكن أن تستخدم معلومة ناقصة أو صورة خارج سياقها أو خطابًا عاطفيًا إذا كان أكثر قدرة على التأثير، وهنا تكمن خطورة الإعلام الحوثي، فالقضية ليست في وجود موقف سياسي أو أيديولوجي بحد ذاته، وإنما في تحويل المنظومة الإعلامية إلى جزء من منظومة التعبئة، بحيث يصبح الخبر وسيلة لتثبيت موقف الجماعة، وتتحول الصورة إلى دليل على القوة، والخطاب إلى أداة تعبئة، وتكرار الرسالة إلى وسيلة لترسيخها في الوعي.

وتشير دراسة متخصصة لمركز التميز للاتصالات الاستراتيجية التابع لحلف شمال الأطلسي إلى أن الصراع اليمني شهد جبهة مهمة من حرب المعلومات والدعاية، وأن الحوثيين أدركوا مبكرًا أهمية الإنترنت، واستخدمت الحسابات المرتبطة بهم مقاطع الصواريخ والطائرات المسيّرة والضربات الناجحة بوصفها مواد دعائية أساسية، كما رصدت الدراسة تشابهًا بين الطريقة الحوثية في تقديم القدرات الصاروخية والعسكرية وبين الدعاية العسكرية الإيرانية التي تركز على القوة والقدرة على الردع، «المصدر - مركز التميز للاتصالات الاستراتيجية التابع لحلف شمال الأطلسي، لاتفيا، حرب إيران بالوكالة في اليمن، مشهد حرب المعلومات، 2020»، وهذا التشابه مهم لأنه يكشف أن المسألة لا تتعلق فقط بمضمون الرسالة، بل بطريقة بناء الصورة الذهنية، فالصاروخ في الخطاب الدعائي لا يقدم باعتباره قطعة عسكرية فحسب، وإنما باعتباره رمزًا للقوة والقدرة على التحدي، والعملية العسكرية لا تقدم باعتبارها حدثًا يحتاج إلى سياق وتحليل، وإنما باعتبارها مشهدًا لإثبات القدرة والانتصار، والقائد لا يظهر فقط باعتباره شخصية سياسية، وإنما بوصفه رمزًا متكررًا للحركة ومصدرًا للشرعية الدينية، وتسيسها، من منظورهم.

من أبرز وظائف الدعاية العسكرية صناعة صورة الانتصار حتى في الظروف التي تكون فيها نتائج المعركة أكثر تعقيدًا، وذلك من خلال اختيار اللقطات، وتوقيت النشر، والعناوين، والمؤثرات الصوتية، وإعادة تدوير المشاهد، والتركيز على لحظة الإصابة أو الانفجار، مع إغفال ما سبقها وما تلاها، وقد وثقت دراسات التحقق الإعلامي حالات جرى فيها تداول مقاطع قديمة أو ألعاب فيديو أو مواد مصطنعة على أنها مشاهد مرتبطة بهجمات الحوثيين، ففي إحدى الحالات عام 2024 انتشر مقطع زُعم أنه يصور استهداف سفينة أمريكية، بينما أثبت التحقق أنه يعود إلى حريق سفينة وقع قرب سريلانكا عام 2021، «المصدر - بوليتي فاكت، الولايات المتحدة، التحقق من مقطع حريق سفينة سريلانكية نُسب خطأً إلى هجوم حوثي، 2024»،

وفي حالة أخرى، انتشر مقطع يصور سفنًا حربية وانفجارات قيل إنه يوثق هجومًا حوثيًا على سفن أمريكية، لكن التحقق أظهر أن المشاهد مأخوذة من تسجيل للعبة إلكترونية، «المصدر - وكالة فرانس برس، فرنسا، التحقق من مقطع ادعى إظهار الحوثيين وهم يقصفون سفنًا أمريكية في البحر الأحمر، 2024»،

والأهم هنا أن هذه الأمثلة لا تسمح علميًا بالقول إن كل الصور والمقاطع المتداولة في البيئة الحوثية مزيفة، لكنها تكشف حجم المشكلة التي يواجهها الجمهور في بيئة معلوماتية تختلط فيها المواد الحقيقية بالمضللة والمصطنعة، وهو ما يجعل التحقق من الصورة جزءًا أساسيًا من العمل الإعلامي، ومع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، أصبحت صناعة المشهد الزائف أكثر سهولة، وأصبح من الممكن إنتاج صور ومقاطع تبدو واقعية بدرجة يصعب معها اكتشاف التلاعب بالعين المجردة، وقد دفعت هذه التطورات مؤسسات إعلامية كبرى إلى إنشاء آليات متخصصة للتحقق من الصور، باستخدام البحث العكسي، والبيانات الوصفية، ومقارنة صور الأقمار الصناعية، وتحليل الطقس والظلال ومكان التصوير، إلى جانب أدوات كشف المحتوى المصطنع، «المصدر - وكالة رويترز، المملكة المتحدة، التحقق البصري وأهميته في عصر الذكاء الاصطناعي، 2026».

تكتسب الصورة أهمية خاصة في الدعاية العسكرية لأنها تختصر قصة طويلة في ثوانٍ قليلة، فصورة صاروخ ينطلق، أو انفجار كبير، أو مقاتلين في حالة استعداد، يمكن أن تخلق انطباعًا عن القوة حتى قبل أن يعرف المتلقي أين وقع الحدث، ومتى وقع، وما نتيجته الفعلية.

وتؤكد الدراسات الإعلامية المتعلقة بالتأطير البصري أن الصورة لا تعمل منفصلة عن النص، وإنما تتفاعل معه في تحديد زاوية فهم الجمهور، ولذلك فإن اختيار صورة قائد مبتسم أمام خريطة، أو مقاتلين مدججين بالسلاح، أو منشأة عسكرية بعد إصابتها، ليس اختيارًا محايدًا بالضرورة، وإنما يمكن أن يؤدي وظيفة اتصالية ضمن الرواية العامة، وفي الحالة الحوثية، تظهر أهمية الصورة العسكرية في إبراز الصواريخ والطائرات المسيّرة والمناورات والمقاتلين، وهو ما رصده مركز التميز للاتصالات الاستراتيجية التابع لحلف شمال الأطلسي باعتباره جزءًا من البيئة الدعائية المضللة المرتبطة بإظهار القدرات العسكرية، «المصدر - مركز التميز للاتصالات الاستراتيجية التابع لحلف شمال الأطلسي، لاتفيا، حرب إيران بالوكالة في اليمن: مشهد حرب المعلومات، 2020»، وهنا يتحول المشهد العسكري إلى رسالة نفسية، فالمقصود ليس فقط إخبار المتلقي بوجود سلاح، وإنما إقناعه بأن الجماعة قوية، وقادرة على الوصول إلى خصومها، وقادرة على الاستمرار، وأن كل عملية عسكرية يمكن تحويلها إلى مادة لبناء الردع النفسي.